الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٥ - بحوث
هنالك أيضا احتمال آخر في تفسير هذه الآية، و هو- أنّ اللّه قد أشار- إلى جانب العذاب السماوي و الأرضي- إلى لونين آخرين من العذاب: أحدهما:
اختلاف العقيدة و الفكر (و هو في الواقع مثل العذاب النازل من فوق)، و الآخر: هو الاختلاف في العمل و السلوك الاجتماعي الذي يؤدي إلى الحروب و إراقة الدماء (و هو أشبه بالعذاب الآتي من تحت).
و عليه، فالآية تشير إلى أربعة ألوان من العذاب الطبيعي، و لونين من العذاب الاجتماعي.
٣- لا بدّ من الانتباه إلى أن قوله تعالى: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً [١]، لا يعني أنّ اللّه يبتلي الناس- بدون مبرر- بالنفاق و الاختلاف، بل إنّ ذلك نتيجة سوء أعمالهم و غرورهم و أنانياتهم، و الانغماس في منافعهم الشخصية، ممّا يثير روح النفاق و التفرقة بينهم، و ما نسبة ذلك إلى اللّه إلّا لأنّه جعل تلك الآثار من نتائج تلك الأعمال.
٤- على الرّغم من أنّ الخطاب في هذه الآية موجه إلى المشركين و عبدة الأصنام، فإنّنا نستنتج أنّ المجتمع المشرك و المنحرف عن طريق التوحيد و عبادة اللّه، يصاب بظلم الطبقات العليا، و ظلم الطبقات الدنيا المتهاونة في واجباتها، كما تقع البشرية بين براثن الاختلاف العقائدية و المخاصمات الدموية في المجتمع، كما هو حال المجتمعات المعاصرة التي تعبد أوثان الصناعة و الثروة، فهي رهين مصائب لا فكاك لها من مخالبها.
بعض الشعوب المسلمة تتحدث عن التوحيد و عبادة اللّه بأقوالها، و لكنّها بأفعالها مشركة تعبد الأصنام. إن مصائر شعوب كهذا لا يختلف عن مصائر المشركين. و
قد يكون حديث الإمام الباقر عليه السّلام: «كل هذا في أهل القبلة»
إشارة إلى هذا الاختلاف بين المسلمين، فعند ما ينحرف المسلمون عن طريق التوحيد،
[١]- «شيعا» جمع «شيعة» بمعنى الجماعة.