الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٩ - رد حاسم على المتحججين و المتعلّلين
و الحقيقة.
كما أنّه يجب أيضا أن نلفت نظر القارئ إلى أنّ المراد من إلقاء اللّه الذي ورد في الآيات القرآنية ليس هو اللقاء الحسي و الرؤية البصرية، بل المراد هو نوع من الشهود الباطني، و اللقاء الروحاني، الذي يتحقق في يوم القيامة على أثر التكامل الإنساني الحاصل للأشخاص، أو المقصود منه هو: مشاهدة الثواب و العقاب في العالم الآخر.
الآية اللاحقة تشير إلى نزول القرآن و تعليماته القيمة، و بذلك أكملت البحث المطروح في الآية السابقة، يقول تعالى: وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فهذا الكتاب الذي أنزلناه كتاب عظيم الفائدة، عظيم البركة، و هو المنبع لكلّ أنواع الخير و البركة.
و لمّا كان الأمر كذلك وجب اتباعه بصورة كاملة، و وجب التزود بالتقوى، و التجنب عن مخالفته، لتشملكم رحمة اللّه و لطفه فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
و في الآية الثالثة أبطل سبحانه جميع المعاذير و التحججات و سدّ جميع طرق التملّص و الفرار في وجه المشركين، فقال لهم أوّلا: لقد أنزلنا هذا الكتاب مع هذه المميزات لكي لا تقولوا: لقد نزلت الكتب السماوية على الطائفتين السابقتين (اليهود و النصارى) و كنّا عن دراستها غافلين، و ليس تمرّدنا على أوامر اللّه لكونها موجودة عند غيرنا من الأمم، و لم يبلغنا منها شيء: أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا، وَ إِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ [١].
ثمّ إنّه سبحانه ينقل عنهم- في الآية اللاحقة- نفس ذلك التحجج و لكن بصورة أوسع، و مقرونا هذه المرّة بنوع أشدّ من الغرور و الصّلف و هو: أنّ القرآن الكريم لو لم ينزل عليهم لكان من الممكن أن يدّعوا أنّهم كانوا أكثر استعدادا من
[١]- «أن تقولوا» معناه «لئلّا تقولوا» و نظير ذلك كثير في لغة العرب.