الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٣ - ملاحظات
فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [١].
الآية التّالية تؤكّد أن ذلك ليس أكثر من تمن كاذب، و إنّما تمنوه لأنّهم رأوا في ذلك العالم كل ما كانوا يخفونه- من عقائد و نيات و أعمال سيئة- مكشوفا أمامهم، فاستيقظوا يقظة مؤقتة عابرة: بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ.
غير أن هذه اليقظة ليست قائمة ثابتة، بل إنّها قد حصلت لظروف طارئة، و لذلك فحتى لو افترضنا المستحيل و عادوا إلى هذه الدنيا مرّة أخرى لفعلوا ما كانوا يفعلونه من قبل و ما نهوا عنه: وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ لذلك فهم ليسوا صادقين في تمنياتهم و مزاعمهم وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ.
ملاحظات:
١- يتبيّن من ظاهر بَدا لَهُمْ أنّهم لم يكونوا يخفون كثيرا من الحقائق عن الناس فحسب، بل كانوا يخفونها حتى عن أنفسهم، فتبدوا لهم جلية يوم القيامة، و ليس في هذا ما يدعو إلى العجب، فالإنسان كثيرا ما يخفي عنه نفسه الحقائق و يغطي على ضميره و فطرته لكي ينال شيئا من الراحة الكاذبة.
إنّ قضية مخادعة النفس و إخفاء الحقائق عنها من القضايا التي تعالجها البحوث الخاصّة بنشاط الضمير، فقد نجد الكثيرين من الذين يتبعون أهواءهم يتنبهون إلى أضرار ذلك عليهم، و لكنّهم لكي يواصلوا أعمالهم تلك بغير أن تنغصها عليهم ضمائرهم- يحاولون إخفاء هذا الوعي فيهم بشكل من الأشكال.
غير أنّ بعض المفسّرين- دون الالتفات إلى هذه النكتة- فهموا من (لهم) ما
[١]- ينبغي الانتباه إلى نقطة مهمّة في الآية: في القراءة المشهورة التي بين أيدينا «نردّ» مرفوعة و «و لا نكذب» و «نكون» منصوبتان، مع أنّ الظاهر يدل على أنّهما معطوفتان على «نردّ» و خير تعليل لذلك هو القول بأنّ «نردّ» جزء من التمني، و «و لا نكذب» جواب التمني، و «الواو» هنا بمنزلة «الفاء» و معلوم أن جواب التمني إذا وقع بعد الفاء كان منصوبا، إن مفسرين كالفخر الرازي و المرحوم الطبرسي و أبي الفتوح الرازي أوردوا تعليلات أخرى، و لكن الذي قلناه أوضح الوجوه، و عليه فهذه الآية تكون شبيهة بالآية (٥٨) من سورة الزمر: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.