الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٠ - ليس من واجبك الإكراه
من جانب المشركين، و ما يزال المعارضون المعاندون يتابعونهم في ذلك، مع أنّ حياة الجزيرة العربية لم تكن فيها مدرسة و لا درس ليتعلم منها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شيئا، كما أنّ رحلاته إلى خارج الجزيرة كانت قصيرة لا تدع مجالا لمثل هذا الاحتمال، ثمّ إنّ معلومات اليهود و المسيحيين الذين كانوا يسكنون الحجاز كانت على درجة من التفاهة و تسطير الخرافات بحيث لا يمكن- أصلا- مقارنتها بما في القرآن و لا بتعاليم الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و سنشرح هذا الموضوع- إن شاء اللّه- عند تفسير الآية (١٠٣) من سورة النحل.
ثمّ تبيّن الآية واجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قبال معاندة المعارضين و حقدهم و اتهاماتهم، فتقول: اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ و من واجبك أيضا الإعراض عما يوجهه إليك المشركون من افتراءات: وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
هذا- في الواقع- ضرب من التسلية و التقوية المعنوية للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لكيلا ينتاب عزمه الراسخ الصلب أي ضعف في مواجهة أمثال هؤلاء المعارضين.
يتبيّن ممّا قلناه بجلاء أنّ عبارة وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ لا تتعارض مطلقا مع الأمر بدعوتهم إلى الإسلام و لا مع الجهاد ضدهم، فالمقصود هو أن لا يلقى اهتماما إلى أقوالهم الباطلة و اتهاماتهم الكاذبة، بل يمضي في طريقه بثبات.
الآية الأخيرة يكرر القرآن فيما- مرّة أخرى- القول بأنّ اللّه لا يريد أن يكره المشركين و يجبرهم على الإسلام، إذ لو أراد ذلك لما كان هناك أي مشرك: وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا كما يؤكّد القول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّك لست مسئولا عن أعمال هؤلاء، لأنّك لم تبعث لإكراههم على الإيمان: وَ ما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً، و لا من واجبك حملهم على عمل الخير: وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ.
«الحفيظ» هو من يراقب أمرا أو شخصا ليحفظه من أن يصاب بضرر، أمّا «الوكيل» فهو من يسعى لإحراز النفع لموكله.