الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦٨ - التّوفيق بين آيات المساءلة في القرآن
فكيف يمكن التوفيق و الجمع بين تلك الآيات و الآيات الحاضرة التي تثبت قضية المساءلة يوم القيامة؟! إن الإمعان في هذه الآيات كفيل بأن يكشف كل إبهام عنها، فإنه يستفاد من مجموع الآيات الواردة في مجال المساءلة في يوم القيامة أن الناس يمرون في ذلك اليوم بمراحل مختلفة متنوعة، ففي بعض المراحل لا يسألون عن أي شيء مطلقا، بل يختم على أفواههم، و تتكلم أعضاؤهم و جوارحهم التي تحتفظ بآثار أعمالهم في نفسها، كشاهد حيّ لا يردّ يروي أعمالهم بدقة متناهية.
و في المرحلة الأخرى يرفع الختم عن أفواههم فيتحدثون و يسألون فيعترفون عند ذلك- بعد مشاهدة الحقائق التي انكشفت في ضوء شهادة الجوارح- بأعمالهم، تماما كالمجرم الذي لا يرى بدّا من الاعتراف بجرمه عند مشاهدة الأدلة العينية.
و قد احتمل بعض المفسّرين أيضا في تفسير هذه الآيات، أنّ الآيات النافية للسؤال إشارة إلى نفي المساءلة الشفاهية، و الآيات المثبتة إشارة إلى السؤال من الجوارح و هي تجيب بلسان الحال- مثل حمرة وجه الإنسان خجلا من انكشاف جرمه- بالحقائق.
و في هذه الصورة يرتفع التنافي بين هاتين الطائفتين من الآيات.
في الآية اللاحقة- تكميلا لمبحث المعاد- يشير تعالى إلى قضية «وزن الأعمال» الذي جاء ذكره في السور القرآنية الأخرى مثل ما جاء في سورة «المؤمنون» في الآية (١٠٢ و ١٠٣) و سورة القارعة الآية (٦ و ٨).
فيقول أوّلا: إنّ وزن الأعمال يوم القيامة أمر واقع لا ريب فيه: وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُ [١].
[١]- بناء على هذا يكون الوزن هنا بمعناه المصدري و هو مبتدأ و «الحق» خبره، و إن أعطيت احتمالات في تركيب الجملة الحاضرة و لكن ما قلناه أقرب من الجميع.