الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٩ - التّفسير
المسيح عليه السّلام نفسه يعلن صراحة لبني إسرائيل: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ و بهذا يستنكر كل لون من ألوان الشرك، و يفرض الغلوّ في شخصه، و يعتبر نفسه مخلوقا كسائر مخلوقات اللّه.
و لكي يشدد المسيح التوكيد على هذا الأمر، و ليزيل كل إبهام و خطأ، يضيف قائلا: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْواهُ النَّارُ.
و يمضي في التوكيد و إثبات أنّ الشرك و الغلو ضرب من الظلم الواضح، فيقول أيضا: وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ.
سبق أن أشرنا إلى أنّ تاريخ المسيحية يؤكّد بأنّ التثليث لم يكن معروفا في القرون الاولى من المسيحية، و لا حتى على عهد المسيح عليه السّلام، بل أن الأناجيل الموجودة- على الرغم من كل ما فيها من تحريفات و إضافات- ليس فيها أدنى إشارة إلى التثليث، و هذا ما يعترف به المحققون المسيحيون أنفسهم، و عليه فإن ما ورد في الآية المذكورة عن إصرار المسيح عليه السّلام على مسألة التوحيد إنّما ينسجم مع المصادر المسيحية الموجودة، و يعتبر من دلائل عظمة القرآن [١].
و ينبغي الالتفات إلى أنّ الموضوع الذي تتناوله الآية هو الغلو و وحدة المسيح باللّه. أو بعبارة أخرى، هو «التوحيد في التثليث»، و لكن الآية التّالية تشير إلى مسألة «تعدد الآلهة» في نظر المسيحيين، أي «التثليث في التوحيد»، و تقول:
إنّ الذين قالوا أن اللّه ثالث الأقانيم [٢] الثلاثة لا ريب أنّهم كافرون: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ.
اعتقد كثير من المفسّرين، و منهم الطبرسي في «مجمع البيان»، و الشيخ الطوسي في «التبيان»، و الفخر الرازي و القرطبي في تفسيريهما، أنّ الآية السابقة تشير إلى فرقة من المسيحيين باسم «اليعاقبة» يعتقدون أن اللّه متحد بالمسيح عليه السّلام،
[١]- للمزيد من توضيح التثليث و الوحدة في التثليث أنظر المجلد الثالث من هذا التّفسير.
[٢]- «الأقنوم» بمعنى الأصل و الذات، جمعها «أقانيم».