الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥١ - الإيمان و الرّؤية الواضحة
و تفيد جملة فَأَحْيَيْناهُ أنّ الإيمان- و إن استلزم سعي الإنسان لنيله- لا يتم إلّا بهداية من اللّه! ثمّ تقول الآية عن أمثال هؤلاء: وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ.
على الرغم من وجود الاختلاف في تفسير هذا «النّور» فالظاهر أنّ المقصود ليس القرآن و تعاليم الشرع فحسب، بل أكثر من ذلك، حيث يمنح الإيمان باللّه الإنسان رؤية و إدراكا جديدين ... يمنحه رؤية واضحة و يوسع من آفاق نظرته لتتجاوز إطار حياته المادية و جدران عالم المادة الضيق إلى عالم أرحب و أوسع.
و لما كان الإيمان يدعو الإنسان إلى أن يبني نفسه، فانه يزيح عن عينيه أغشية الأنانية و التعصب و المعاندة و الأهواء، و يريه حقائق ما كان قادرا على إدراكها من قبل.
إنّه في ضوء هذه النّور يستطيع أن يميز مسيرة حياته بين الناس، و أنّ يصون نفسه و يحافظ عليها و يحصنها ضد ما يقع فيه الآخرون من أخطار الطمع و الجشع و الأفكار المادية المحدودة، و الوقوف بوجه أهوائه و كبح جماحها.
إنّ ما نقرأه في الأحاديث الإسلامية من أنّ «المؤمن ينظر بنور اللّه» إشارة إلى هذه الحقيقة، إنّ مجرّد الوصف غير قادر على تبيان خصائص هذه الرؤية الإيمانية التي يمنحها اللّه للإنسان، بل ينبغي أن يذوق الإنسان طعمها لكي يدرك بنفسه مغزى هذا القول و يحس به.
ثمّ تقارن الآية بين هذا الإنسان الحي، الفعال، النير، و المؤثر، بالإنسان العديم الإيمان و المعاند، فتقول: كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها.
نلاحظ أنّ الآية لا تقول: «كمن في الظّلمات» بل تقول: كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ يقول بعضهم: إنّ الهدف من هذا التعبير هو إثبات أنّ هؤلاء الأفراد غارقون في الظّلمات و التعاسة إلى الحد الذي جعلهم مثلا يعرفه المدركون.