الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٢ - الإيمان و الرّؤية الواضحة
و قد يكون ذلك إشارة إلى معنى أدق هو: أنّه لم يبق من وجود هؤلاء الأفراد سوى شبح، أو قالب، أو مثال أو تمثال، لهم هياكل خالية من الروح و أدمغة معطلة عن العمل.
لا بدّ من القول- أيضا- إنّ «النّور» الذي يهدي المؤمنين جاء بصيغة المفرد، بينما «الظّلمات» التي يعيش فيها الكافرون جاءت بصيغة الجمع، و ذلك لأنّ الإيمان ليس سوى حقيقة واحدة، و هو يرمز إلى الوحدة و التوحيد، بينما الكفر و عدم الإيمان مدعاة للتشتت و التفرقة.
و في الختام تشير الآية إلى سبب مصير هؤلاء المشؤوم فتقول: كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
سبق أن قلنا: إنّ من خصائص تكرار العمل القبيح أنّ قبحه يتضاءل في عين الفاعل حتى يبدو له أخيرا و كأنّه عمل جميل، و يتحول إلى مثل القيد يشد أطرافه، و يمنعه من الخروج من هذا الفخ، إنّ مطالعة بسيطة لحال المجرمين تكشف لنا هذه الحقيقة بجلاء.
و لمّا كان بطل هذه المشاهد في جانبها السلبي هو «أبو جهل» الذي كان من كبار مشركي قريش و مكّة، فالآية الثّانية تشير إلى حال هؤلاء الزعماء الضالين و قادة الكفر و الفساد، فتقول: وَ كَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها.
كررنا القول من قبل: أنّ سبب نسبة أمثال هذه الأفعال إلى اللّه، لكونه تعالى هو علّة العلل و مسبب الأسباب و مصدر كل القدرات، و الإنسان يستخدم ما وهبه اللّه من إمكانات طالحا كان هذا الفعل أم صالحا.
جملة «ليمكروا» تشير إلى عاقبة أعمالهم، و لا تعني الهدف من خلقهم [١] أي أنّه عاقبة عصيانهم و كثرة ذنوبهم أدت بهم إلى أن يصبحوا سدا على طريق الحق،
[١]- «اللام» هنا هي لام «العاقبة» و ليست اللام الغائية، و قد وردت في القرآن كثيرا.