الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦٧ - التّوفيق بين آيات المساءلة في القرآن
المساءلة لماذا؟
إنّ أوّل ما يطرح نفسه هنا هو: نحن نعلم أنّ اللّه سبحانه يعلم بكل شيء، فهو الحاضر في كل زمان و مكان، الناظر لكل شيء من نيّة أو عمل، فما الحاجة إلى مساءلة الرسل و الأمم عامّة و بدون استثناء؟! الجواب على هذا السؤال واضح، لأنّ السؤال لو كان للاستعلام و الاستفهام، و بهدف الوقوف على الحقيقة لم يصح أن يقع من العالم العارف.
و أمّا إذا كان المقصود منه هو إلفات الشخص إلى ما عمله، أو إتمام الحجّة عليه، أو ما أشبه ذلك، لم يكن في ذلك بأس و لا ضير، إذ يشبه ذلك تماما ما لو أسدينا إلى أحد خدمات كثيرة و قابلنا بالإساءة و الخيانة، و كان كل ذلك معلوما معروفا عندنا، و مع ذلك فإننا نسائله و نقول: ألسنا قد أسدينا إليك كذا و كذا من الخدمة؟ فهل كان هذا جزاء الإحسان إليك؟؟
إنّ مثل هذه المساءلة ليست لاكتساب العلم، و اكتشاف الحقيقة المجهولة، بل هي لتفهيم الطرف الآخر و إيقافه على الحقيقة، أو أنّه لتثمين خدمة قام بها أحد المسؤولين و تشجيعه، فنسأله: ماذا فعلت في هذه السفرة التي كلّفت فيها بمهمّة؟
مع أنّنا نعرف من قبل بتفاصيل عمله.
التّوفيق بين آيات المساءلة في القرآن:
قد يظنّ أن الآيات المطروحة هنا على بساط البحث، و التي تصرح بكل تأكيد بأن اللّه يسأل الجميع عمّا فعلوه و ارتكبوه، تنافي بعض الآيات القرآنية الأخرى في هذا الصعيد مثلما ما جاء في سورة الرحمان: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌ ... يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ... [١].
و كذا الآيات الأخرى التي تنفي السؤال؟
[١]- الرحمان، ٣٩ و ٤١.