الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٣ - مصير الذين لا يعتبرون
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ.
أما كان من الأجدر بهؤلاء أن يستيقظوا عند ما جاءهم البأس و أحاطت بهم الشدائد؟! فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا أنّهم لم يستيقظوا، و لذلك سببان:
الأوّل: إنّهم لكثرة آثامهم و عنادهم في الشرك زايلت الرحمة قلوبهم و الليونة أرواحهم: وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ.
و الثّاني: إنّ الشيطان قد استغل عبادتهم أهواءهم فزيّن في نظرهم أعمالهم، فكل قبيح ارتكبوه أظهره لهم جميلا، و لكل خطأ فعلوه جعله في عيونهم صوابا:
وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
ثمّ تذكر الآية الثّانية أنّه لمّا لم تنفع معهم تلك المصائب و المشاكل و الضغوط عاملهم اللّه تعالى بالعطف و الرحمة، ففتح عليهم أبواب أنواع النعم، لعلهم يستيقظون و يلتفتون إلى خالقهم الذي وهب لهم كل تلك النعم، و يشخصوا الطريق السوي: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ.
إلّا أنّ هذه النعم كانت في الواقع ذات طابع مزدوج، فهي مظهر من مظاهر المحبّة التي تستهدف إيقاظ النائمين، و هي كذلك مقدمة لنزول العذاب الأليم إذا استمرت الغفلة، و الذي ينغمس في النعمة و الرفاهية، يشتد عليه الأمر حين تؤخذ منه هذه النعم فجأة، بينما لو أخذت منه بالتدريج، فلا يكون وقع ذلك عليه شديدا، و لهذا يقول إنّنا أعطيناهم الكثير من النعم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [١].
و هكذا استؤصلت جذور أولئك الظلمة و انقطع نسلهم:
الروحي، كالهم و الغم و الاكتئاب و الجهل، أو الآلام الناشئة عن الأمراض أو عن فقدان مال أو مقام.
و لعل الاختلاف بين معنيي اللفظتين ناشئ عن أن «البأساء» تشير إلى المكروه الخارجي و «الضراء» تشير إلى المكروه الداخلي، النفسي أو الروحي، و على هذا تكون «البأساء» من عوامل إيجاد «الضراء» فتأمل بدقة!
[١]- «الإبلاس» الحزن المعترض من شدة التألم بسبب كثرة المنغصات المؤلمة، و منها اشتقت كلمة «إبليس»، و هي هنا تدل على شدة الغم و الهم اللذين يصيبان المذنبين يومئذ.