الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٢ - التّفسير
التّفسير
لاحظنا في ما سبق من تفسير آيات هذه السورة أنّ قسما كبيرا منها يدور حول العقبات التي كان يضعها أهل الكتاب «اليهود و النصارى» في طريق المسلمين و ما كانوا يوردونه من مجادلة و تساؤل، هذه الآية- أيضا- تشير إلى جانب آخر من ذلك الموضوع، ترد فيها على منطقهم الواهي الداعي إلى اعتبار التّوراة كتابا متفقا عليه بين المسلمين و اليهود، و ترك القرآن باعتباره موضع خلاف.
لذلك فالآية تخاطب الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قائلة: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
و ذلك لأنّ هذه الكتب- كما قلنا- صادرة عن مبدأ واحد و أصولها واحدة، و لمّا كان آخر هذه الكتب السماوية أكملها و أجمعها فإنّه هو الأجدر بالعمل به، كما أنّ الكتب السابقة تحمل بشائر و ارشادات إلى آخر الكتب، و هو القرآن، فإذا كانوا- حسب زعمهم- يقبلون التّوراة و الإنجيل، و كانوا صادقين في زعمهم، فلا مندوحة لهم عن القبول بتلك البشائر أيضا، و إذ وجدوا تلك العلامات في القرآن، فإن عليهم أن يحنوا رؤوسهم خضوعا لها.
هذه الآية تقول أنّ الادعاء لا يكفي، بل لا بدّ من إتباع ما جاء في هذه الكتب السماوية عمليا، ثمّ أن القضية ليست «كتابنا» و «كتابكم»، بل هي الكتب السماوية و ما أنزل من اللّه، فكيف تريدون بمنطقكم الواهي هذا أن تتجاهلوا آخر كتاب سماوي؟
و يعود القرآن ليشير إلى حالة أكثريتهم، فيقرّر أنّ أكثرهم لا يأخذون العبرة و العظة من هذه الآيات و لا يهتدون بها، بل أنّهم- لمّا فيهم من روح العناد- يزدادون في طغيانهم و كفرهم وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً.