الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨ - التّحكيم بين الأنصار و الأعداء
و الإذعان له [١].
ثمّ تفضح الآية الصفة الثالثة لليهود، فتبيّن أنّهم يتجسّسون على المسلمين لمصلحة قوم آخرين ممّن لا يحضرون الاجتماعات الإسلامية التي تعقد في مجلس النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فتقول الآية: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ....
و في تفسير آخر لهذه الجملة قيل أن هؤلاء اليهود كانوا يستمعون إلى أوامر جماعتهم- فقط- و قد كلّفهم قومهم بأن يقبلوا ما وافق أهواءهم من أقوال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أن يخالفوا أو يرفضوا ما كان عكس ذلك من أقواله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و بناء على هذا السلوك فإنّ ما كان يظهر من طاعة هؤلاء لبعض أقوال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يكن في الحقيقة إلّا طاعة منهم لأقوال كبارهم و وجهائهم الذين أمروهم باتباع هذا الأسلوب، و لذلك أشارت الآية على النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن لا يحزن لمخالفات هؤلاء، فهم لم يحضروا عنده أبدا من أجل الاستماع إلى الحقّ و اتّباعه! ثمّ تذكر الآية انحرافا آخر لهؤلاء اليهود، فتشير إلى تحريفهم لكلام اللّه سبحانه و تعالى من خلال تحريف الألفاظ أو تحريف المعاني الواردة في هذا الكلام، فهم إن وجدوا في كلام اللّه حكما يخالف مصالحهم أوّلوه أو رفضوه جملة و تفصيلا، كما تقول الآية: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ... [٢].
و الأعجب من ذلك أنّ هؤلاء قبل أن يحضروا مجلس النّبي كانوا يقررون كما يأمرهم كبارهم أنّهم إن تلقوا من محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حكما موافقا لميولهم و أهوائهم قبلوا به، و إن كان مخالفا لهوى أنفسهم ردوه و ابتعدوا عنه، تقول الآية الكريمة: يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَ إِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ....
فهؤلاء قد غرقوا في الضلال و تحجرت عقولهم لغاية أنّهم كانوا يرفضون كل شيء يخالف ما عندهم من أحكام محرفة، دون أن يبذلوا جهدا أو عناء في التفكير
[١]- في التّفسير الأوّل تكون اللاء في عبارة (للكذب) لام التعليل بينما في التّفسير الثّاني فهي لام التعدية.
[٢]- تحدثنا عن أساليب التحريف التي اتبعها اليهود في تفسير الآية (١٣) من نفس هذه السورة.