الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٧ - التّفسير
في الآية التّالية ينهج إبراهيم منطقا استدلاليا آخر، فيقول لعبدة الأصنام:
كيف يمكنني أن أخشى الأصنام و يستولي عليّ الخوف من تهديدكم، مع إنّي لا أرى في أصنامكم أثرا للعقل و الإدراك و الشعور و القوة و العلم، أمّا أنتم فعلى الرغم من إيمانكم بوجود اللّه و إقراركم له بالعلم و القدرة، و معرفتكم بأنّه لم يأمركم بعبادة هذه الأصنام، فانّكم لا تخافون غضبه: وَ كَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَ لا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً [١].
إنّنا نعلم أن عبدة الأصنام لم يكونوا ينكرون وجود اللّه خالق السموات و الأرض، و لكنّهم كانوا يشركون الأصنام في عبادته و يعتبرونها شفيعة لهم عنده، كونوا منصفين إذن و قولوا: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
يستند منطق إبراهيم عليه السّلام هنا إلى منطق العقل القائم على الواقع، إنّكم تهددونني بغضب الأصنام، مع أن تأثيرها و هم من الأوهام، و لكنّكم بعدم خشيتكم من اللّه العظيم الذي نؤمن به جميعا، و نعتقد بوجوب اتباع أمره تكونون قد تركتم أمرا ثابتا، و تمسكتم بأمر و همي فهو لم يصدر إلينا أمرا بعبادة الأصنام.
في الآية التّالية جواب يدلي به إبراهيم على سؤال كان هو قد ألقاه في الآية السابقة (و هذا أسلوب من أساليب الاستدلال العلمي، فقد يسأل المتكلم سؤالا عن لسان المخاطب ثمّ يبادر إلى الإجابة عليه مباشرة كدليل على أن الجواب من الوضوح بحيث ينبغي أن يعرفه كل شخص)، يقول: إنّ المؤمنين الذين لم يمزجوا إيمانهم بظلم، هم الآمنون و هم المهتدون الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ.
ثمّة رواية عن أمير المؤمنين علي عليه السّلام تؤيد كون هذه الآية استكمالا لحوار
[١]- «السلطان» بمعنى التفوق و الإنتصار، و لما كان الدليل و البرهان من أسباب الفوز و الإنتصار، فقد يوصفان بالسلطان أيضا، كما هو الحال هنا، أي لا وجود لأي دليل على السماح بعبادتها و هذا ما لم يستطع إنكاره عباد صنم، لأنّ أمرا كهذا ينبغي أن يصدر عن طريق العقل و المنطق، أو عن طريق الوحي و النبوة، و عبادة الأصنام مفتقرة إلى كليهما.