الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٨ - في تفسير الآية الأولى احتمالان
«قافلة»! أو كما يحدث في المسرحيات أو التمثيليات، فنشاهد مناظر للحرب أو الحبّ أو العداء تتجسد على المسرح، ثمّ بعد ساعة يتبدد كل شيء.
و الدنيا أشبه بالتمثيلية التي يقوم فيها الناس بتمثيل أدوار الممثلين، و قد تجتذب هذه التمثيلية الصبيانية حتى عقلاءنا و مفكرينا، و لكن سرعان ما تسدل الستارة و ينتهي التمثيل.
«لعب» على وزن «لزج» من «اللعاب» على وزن «غبار» و هو الماء الذي يتجمع في الفم و يسيل منه، فإطلاق لفظة «اللعب» على اللهو و التسلية جاء للتشابه بينه و بين اللعاب الذي يسيل دون هدف.
ثمّ تقارن الآية حياة العالم الآخر بهذه الدنيا، فتقول: وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ.
فتلك حياة خالدة لا تفنى في عالم أوسع و على أرفع، عالم يتعامل مع الحقيقة لا المجاز و مع الواقع، لا الخيال، عالم لا يشوب نعمه الألم و العذاب، عالم كلّه نعمة خالصة لا ألم فيه و لا عذاب.
و لكن إدراك هذه الحقائق و تمييزها عن مغريات الدنيا الخداعة غير ممكن لغير المفكرين الذين يعقلون، لذلك اتجهت الآية إليهم بالخطاب في النهاية.
في حديث رواه هشام بن الحكم عن الامام موسى بن جعفر عليه السّلام قال: «يا هشام إنّ اللّه وعظ أهل العقل و رغبهم في الآخرة فقال: وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [١].
غني عن القول أنّ هدف هذه الآيات هو محاربة الانشداد بمظاهر عالم المادة و نسيان الغاية النهائية، أمّا الذين جعلوا الدنيا وسيلة للسعادة فهم يبحثون- في الحقيقة- عن الآخرة، لا الدنيا.
[١]- تفسير «نور الثقلين»، ج ١، ص ٧١١.