الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٦ - في تفسير الآية الأولى احتمالان
كفروا بالمعاد كليا، فقد كان بين مشركي العرب فريق لا يؤمنون بالمعاد، و فريق آخر يؤمنون بنوع من المعاد.
الآية التّالية تشير إلى مصيرهم يوم القيامة، يوم يقفون بين يدي اللّه: وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِ، فيكون جوابهم أنّهم يقسمون بأنّه الحقّ: قالُوا بَلى وَ رَبِّنا.
عندئذ: قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ لا شك أنّ «الوقوف بين يدي اللّه» لا يعني إنّ للّه مكانا، بل يعني الوقوف في ميدان الحساب للجزاء، كما يقول بعض المفسّرين، أو أنّه من باب المجاز، مثل قول الإنسان عند أداء الصّلاة أنّه يقف بين يدي اللّه و في حضرته.
الآية التي بعدها فيها، إشارة إلى خسران الذين ينكرون المعاد، فتقول: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ، إنّ المقصود بلقاء اللّه هو- كما قلنا من قبل- اللقاء المعنوي و الإيمان الشهودي (الشهود الباطني)، أو هو لقاء مشاهد يوم القيامة و الحساب و الجزاء.
ثمّ تبيّن الآية أنّ هذا الإنكار لن يدوم، بل سيستمر حتى قيام يوم القيامة، حين يرون أنفسهم فجأة أمام مشاهده الرهيبة، و يشهدون بأعينهم نتائج أعمالهم، عندئذ ترتفع أصواتهم بالندم على ما قصروا في حق هذا اليوم: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها.
و «الساعة» هي يوم القيامة، و «بغتة» تعني فجأة و على حين غرة، إذ تقوم القيامة دون أن يعلم بموعدها أحد سوى اللّه تعالى، و سبب إطلاق «الساعة» على يوم القيامة إمّا لأنّ حساب الناس يجري سريعا فيها، أو للإشارة إلى فجائية حدوث ذلك، حيث ينتقل الناس بسرعة خاطفة من عالم البرزخ إلى عالم القيامة.
و «التحسر» هو التأسف على شيء، غير أنّ العرب عند تأثرهم الشديد يخاطبون «الحسرة» فيقولون: «يا حسرتنا»، فكأنّهم يجسدونها أمامهم و يخاطبونها.