الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٠ - أشدّ الظّلم
نفسه بالحط من قدره إلى حد السجود و الخضوع لقطعة حجر أو خشب، و ظلم بحق المجتمع الذي يسبب له الشرك و التشتت و التفرق و الابتعاد عن روح الوحدة و التوحد.
فلا شك إذن في أنّ أي ظالم- و على الأخص أولئك الذين لظلمهم جوانب متعددة- لا يمكن أن يرى السعادة و الفلاح: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ.
إنّ لفظة «الشّرك» لم ترد صراحة في الآية، و لكن بأخذ الآيات السابقة و اللّاحقة لها بنظر الاعتبار التي تدور حول الشرك، يتّضح أنّ القصد من كلمة «افتراء» هو القول بوجود شريك للّه سبحانه.
و ممّا يلفت النظر أنّ القرآن يصف في خمسة عشر موضعا بعض الناس بأنّهم من أظلم الناس في سياق الاستفهام: «و من أظلم ...» أو «فمن أظلم ...» و على الرغم من أنّ معظم تلك الآيات تتناول الشرك و عبادة الأصنام و إنكار آيات اللّه، أي أنّها تدور حول التوحيد، فإنّ بعضا آخر منها يدول حول أمور أخرى، مثل وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [١].
و قول سبحانه وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ [٢].
هنا يثار هذا السّؤال: كيف يمكن أن تكون كل طائفة من هؤلاء أظلم الناس، في حين أنّ صفة (الأظلم) لا يمكن أن تنطبق إلّا على طائفة واحدة منها؟
نقول في الجواب: كل هذه الحالات تستقي- في الحقيقة- من منبع واحد، و هو الشرك و الكفر و العناد. فمنع الناس من ذكر اللّه في المساجد و السعي في خرابها دليل على الكفر و الشرك، و كتمان الشهادة أي كتمان الحقائق المؤدي إلى حيرة الناس و ضلالهم، هو معلم من معالم الشرك و إنكار وحدانية اللّه.
الآية التّالية تشير إلى مصير المشركين يوم القيامة مبيّنة أنّهم باعتمادهم على
[١]- البقرة، ١١٤.
[٢]- البقرة، ١٤٠.