الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٠ - اجتناب مجالس أهل الباطل
السورة كلها مرّة واحدة، إذ من المحتمل أن تكون هناك حوادث مختلفة في حياة المسلمين، فتنزل سورة واحدة تختص كل مجموعة من آياتها ببعض تلك الحوادث.
التّفسير
اجتناب مجالس أهل الباطل:
بما أنّ المواضيع التي تتطرق إليها هذه السورة تتناول حال المشركين و عبدة الأصنام، فهاتان الآيتان تبحثان موضوع آخر من المواضيع التي تتعلق بهم، ففي البداية تقول للرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [١].
على الرغم من أنّ الكلام هنا موجه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، إلّا أنّه لا يقتصر عليه وحده، بل هو موجه إلى المسلمين كافة، إنّ فلسفة هذا الحكم واضحة، إذ لو اشترك المسلمون في مجالسهم، لاستمر المشركون في خوضهم في آيات اللّه بالباطل نكاية بالمسلمين و استهزاء بكلام اللّه و لكنّ المسلمين إذا مروا دون أن يبالوا بهم، فسيكفّون عن ذلك و يغيرون الحديث إلى أمور أخرى، لأنّهم كانوا يتقصدون إيذاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المسلمين.
ثمّ تخاطب الآية رسول اللّه مؤكّدة أهمية الموضوع: وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ [٢] بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي إذا أنساك الشيطان هذا الأمر و جلست مع هؤلاء القوم سهوا، فعليك- حالما تنتبه- أن تنهض فورا و تترك مجالسة الظالمين.
[١]- «الخوض» كما يقول الراغب الأصفهاني في «مفرداته» هو الدخول في الماء و المرور فيه، ثمّ استعير للورود في أمور أخرى، و أكثر ما ترد في القرآن بشأن الدخول في موضوع باطل ما أساس له.
[٢]- غني عن القول بأن (لا تقعد) لا تعني النهي عن مجرّد الجلوس مع هؤلاء، بل تعني النهي عن معاشرتهم في جميع حالات الجلوس و الوقوف أو المسير.