الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٣ - مصير الطّغاة
و لكنّهم لمّا استمروا على طريق الطغيان، لم تستطع هذه الإمكانات إنقاذهم من العقاب الإلهي: فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ.
أ فلا ينبغي أنّ يكون علمهم بمصائر الماضين عبرة لهم، توقظهم من نوم غفلتهم، و من سكرتهم؟ أليس اللّه الذي أهلك السابقين بقادر على أن يهلك هؤلاء أيضا؟
هاهنا بضع نقاط نلفت إليها الانتباه:
١- على الرّغم من أن «قرن» تعني فترة طويلة من الزمن (مائة، أو سبعين أو ثلاثين سنة)، و لكنّها قد تعني أيضا- كما يقول اللغويون- القوم و الجماعة في زمان معين (القرن من الاقتران بمعنى التقارب، و بالنظر لأنّ أهل العصر الواحد أو العصور المتقاربة قريبون من بعضهم فقد يطلق عليهم و على زمانهم اسم القرن).
٢- يتكرر في القرآن القول بأنّ الإمكانات المادية الكثيرة تبعث على الغرور و الغفلة لدى ضعفاء النفس من الناس كقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [١] لأنّهم بتوفر تلك الإمكانات عندهم يرون أنفسهم في غنى عن اللّه، غافلين عن العناية الإلهية و الإمدادات الربانية المغدقة عليهم في كل لحظة و ثانية، و لولاها لما استمروا على قيد الحياة.
٣- ليس هذا التحذير مختصا بعبدة الأصنام، فالقرآن يخاطب- أيضا- اليوم العالم الصناعي الثري الذي أثملته الإمكانات المادية و ملأته بالغرور، و يحذره من نسيان الأقوام السابقة و ممّا حاق بهم نتيجة ما ارتكبوه من ذنوب، و كأني بالقرآن يقول للمغرورين في عالمنا اليوم: إنّكم ستفقدون كل شيء بانطلاق شرارة حرب عالمية أخرى، لتعودوا إلى عصر ما قبل التمدن الصناعي اعلموا أنّ سبب
السماء» للزيادة في المبالغة.
[١]- العلق، ٦ و ٧.