الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١١ - التّفسير
و حتى لو تدفّق ينبوع الماء الزلال عند عتبات بيوتهم لأعرضوا عنه و لما نظروا اليه ... و كذلك فهم يعرضون عن آيات «ربّهم» النازلة لتربيتهم و تكاملهم.
مثل هذه النفسية لا يقتصر وجودها على عهود الجاهلية و مشركي العرب، فاليوم أيضا نجد من بلغ الستين من عمره و مع ذلك لم يجشم نفسه عناء ساعة واحدة من البحث و التحقيق في اللّه و الدين، و إن وقع بيده كتاب أو بحث في هذا الموضوع لم ينظر إليه، و إن تحدث إليه أحد بهذا الشأن لم يصغ إليه، هؤلاء هم الجهلاء المعاندون الغافلون الذين قد يظهرون أحيانا أمام الناس بمظهر العالم المتجبر! ثمّ تشير الآية إلى نتيجة أعمالهم، و هي: أنّهم عند ما رأوا الحقيقة كذبوها، و لو أنّهم دققوا في آيات اللّه جيدا لرأوا الحقيقة و أدركوها و آمنوا بها: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ، و لسوف تصلهم نتيجة هذا التكذيب و السخرية: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
في هاتين الآيتين إشارة إلى ثلاث مراحل من الكفر تتزايد في الشدّة على التوالي، المرحلة الاولى هي مرحلة الإعراض، ثمّ مرحلة التكذيب، و أخيرا مرحلة الاستهزاء بآيات اللّه.
يدل هذا على أنّ الإنسان في كفره لا يتوقف في مرحلة واحدة، بل يزداد باستمرار إنكارا للحق و عدواة له و ابتعادا عن اللّه.
المقصود من التهديد المذكور في آخر الآية أنّ أوزار عدم الإيمان ستحيق بهم عاجلا أو آجلا في الدنيا و الآخرة، و الآيات التّالية تؤكّد هذا التّفسير.