الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٤ - فالق الإصباح
يتناول «طلوع الصبح» كنعمة من نعم اللّه الكبرى، فنحن نعرف أنّ هذه الظاهرة تحدث لوجود جو الأرض، ذلك الغلاف الضخم من الهواء الذي يحيط بالأرض، فلو كانت الأرض- مثل القمر- عديمة الجو، لما كان هناك «طلوعان» و لا «فلق» و لا «إصباح»، و لا «غسق» و لا «شفق» بل كانت الشمس تبزغ فجأة، بدون أية مقدمات و لسطع نورها في العيون التي اعتادت على ظلام الليل و لم تكد تفارقه، و عند الغروب تختفي فجأة، و تعم الظلمة الموحشة في لحظة واحدة كل الأرجاء، غير أنّ الجو الموجود حول الأرض و المؤدي إلى حصول فترة فاصلة بين ظلام الليل و ضياء النهار عند طلوع الشمس و غروبها يهيئ الإنسان تدريجيا لتقبل هذين الاختلافين المتضادين و الانتقال من الظلمة إلى النّور، و من النّور إلى الظلمة، شيئا فشيئا، بحيث إنّه يستطيع أن يتحمل كل منهما، فنحن نشعر بالانزعاج إذا كنّا في غرفة مضاءة و انطفأت الأنوار فجأة و عم الظلام، ثمّ إذا استمر الظلام ساعة، و عاد النّور مرّة أخرى فجأة، عادت معها حالة الانزعاج بسبب سطوع الضوء المفاجئ الذي يؤلم العين و يجعلها غير قادرة على رؤية الأشياء، و إذا ما تكرر هذا الأمر فإنّه لا شك سيؤذي العين، غير أنّ فالِقُ الْإِصْباحِ قد جنب الإنسان هذا الأذى بطريقة رائعة [١].
و لكيلا يظن أحد أنّ فلق الصبح دليل على أنّ ظلال الليل أمر غير مطلوب و أنّه عقاب أو سلب نعمة، يبادر القرآن إلى القول: وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً.
من الأمور المسلم بها أنّ الإنسان يميل خلال انتشار النّور و الضياء إلى العمل و بذل الجهد، و يتجه الدم نحو سطح الجسم و تتهيأ العضلات للفعالية و النشاط، و لذلك لا يكون النوم في الضوء مريحا، بل يكون أعمق و أكثر راحة كلما كان الظلام أشد، حيث يتجه الدم فيه نحو الداخل، و تدخل الخلايا عموما
[١]- يقول علماء الفلك: يبدأ طلوع الصبح عند ما تصل الشمس إلى ١٨- درجة قبل الأفق الشرقي، و يعم الظلام كل شيء و يختفي الشفق عند ما تصل إلى ١٨- درجة تحت الأفق الغربي.