الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٩ - ليس من واجبك الإكراه
ثمّ لكي تبيّن أنّ هذه الأدلة و البراهين كافية لإظهار الحقيقة لأنّها منطقية، تقول: فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها، أي أنّ إبصارهم يعود بالنفع عليهم و عماهم يسبب الإضرار بهم.
و في نهاية الآية تقول، على لسان النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ.
للمفسّرين احتمالان في تفسير هذا المقطع من الآية:
الأوّل: إنّي لست أنا المسؤول عن مراقبتكم و المحافظة عليكم و ملاحظة أعمالكم، فاللّه هو الذي يحافظ على الجميع، و هو الذي يعاقب و يثيب الجميع، أنّ واجبي لا يتعدى إبلاغ الرسالة و بذل الجهد لهداية الناس.
و الآخر: أنا غير مأمور لأحملكم بالجبر و الإكراه على قبول الإيمان، إنّما واجبي هو أن أدعوكم إلى ذلك بتبيان الحقائق بالمنطق و الحجّة و أنتم الذين تتخذون قراركم النهائي.
و ليس ما يمنع من انطواء العبارة على كلا المعنيين.
الآية التّالية تؤكّد أنّ اتخاذ القرار النهائي في إختيار طريق الحقّ أو الباطل إنّما يرجع للناس أنفسهم، و تقول: وَ كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ [١] أي كذلك نبيّن الأدلة و البراهين بصور و أشكال متنوعة.
لكن جمعا عارضوا، و قالوا- دونما دليل و برهان- إنّك تلقيت هذا من الآخرين (أي اليهود و النصارى): وَ لِيَقُولُوا دَرَسْتَ [٢].
إلّا أنّ جمعا آخر ممن لهم الاستعداد لتقبل الحق لما لهم من بصيرة و فهم و علم، يرون وجه الحقيقة و يقبلونها: وَ لِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
إنّ اتهام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأنّه اقتبس تعاليمه من اليهود و النصارى قد تكرر
[١]- «نصرف» من «التصرف» و هو بمعنى رد الشيء من حالة أو إبداله بغيره، أي أنّ الآيات تنزل في صور و أشكال متنوعة و لمختلف المستويات العقلية و العقائدية و الاجتماعية.
[٢]- «اللام» في ليقولوا هي «لام العاقبة» لبيان العاقبة التي وصل إليها الأمر دون أن تكون هي الهدف المقصود، لقد كانت هذه تهمة يوجهها المشركون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.