الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٥ - الأموات المتحركون
و لكنها أمور تقال للتذكير.
على الرّغم من أنّ هذه الآية من الآيات التي تنفي الإجبار و الإكراه، فإنّ بعض المفسّرين كالرّازي، يعتبرها من الأدلة على «الجبر» و يستند إلى وَ لَوْ شاءَ ... و يقول: يتّضح من هذه الآية أنّ اللّه لا يريد للكفار أن يؤمنوا! و لكنّه غفل عن أنّ الإرادة و المشيئة في هذه الآية هما الإجباريتان، أي أنّ اللّه لا يريد الناس أن يؤمنوا بالإجبار و الإكراه، بل يريدهم أن يؤمنوا باختيارهم و إرادتهم، و عليه فانّ هذه الآية دليل قاطع يدحض مقوله «الجبريين».
في الآية التي تليها استكمال لما سبق و مزيد من المواساة للرسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فتقول الآية إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ.
أمّا الذين هم في الواقع أشبه بالأموات فأنّهم لا يؤمنون حتى يبعثهم اللّه يوم القيامة: وَ الْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [١].
يومئذ، و بعد أن يروا مشاهد يوم القيامة يؤمنون، إلّا أنّ إيمانهم ذاك لا ينفعهم شيئا، لأنّ رؤية مناظر يوم القيامة العظيمة تحمّل كل مشاهد على الإيمان فيكون نوعا من الإيمان الاضطراري.
و من نافلة القول أنّ «الموتى» في هذه الآية لا تشير إلى الموت الجسماني في الأفراد، بل الموت المعنوي، فالحياة و الموت نوعان: حياة و موت عضويان، و حياة و موت معنويان، كذلك أيضا السمع و البصر، عضويان و معنويان فكثير ما نصف المبصرين السامعين الأحياء الذين لا يدركون الحقائق بأنّهم عمي أو صم أو حتى أموات، إذ إنّ رد الفعل الذي يصدر عادة من الإنسان الحي البصير السامع إزاء الحقائق لا يصدر من هؤلاء.
أمثال هذه التعبيرات كثيرة في القرآن، و لها عذوبة، و جاذبية خاصّة، بل إنّ
[١]- من حيث الاعراب «الموتى» مبتدأ، و «يبعثهم اللّه» خبر، و معنى ذلك هو أنّ هؤلاء لا يطرأ على حالهم أي تغيير حتى يبعثهم اللّه يوم القيامة فيرون الحقائق.