الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧١ - التّفسير
هذه الآية تستأنف ما جاء في الآيات السابقة من الكلام مع المشركين و تحذيرهم من مصيرهم يوم القيامة، فتتحدث عن «الحشر» و بعث عام يشمل جميع الكائنات الحية و الحيوانات، فتقول أولا: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ.
يتّضح من هذا أنّ فصائل الحيوان و الطيور أمم مثل البشر، غير أنّ للمفسّرين أقوالا مختلفة بشأن وجه الشبه في هذا التمثيل.
بعض يقول: إنّ التشابه يختص بأسرار خلقتها العجيبة التي تدل على عظمة الخالق سبحانه.
و بعض آخر يرى التشابه في حاجاتها الحياتية المختلفة و في طرق سد تلك الحاجات و إشباعها.
و منهم من يعتقد أنّ التشابه كائن في تشابه الإدراك و الفهم و المشاعر، أي أنّ للحيوان و الطير أيضا- إدراكه و مشاعره في عالمه الخاص، و يعرف اللّه و يسبح له و يقدسه بحسب طاقته، و إن تكن قوّة إدراكه أدنى ممّا في الإنسان، ثمّ إنّ ذيل هذه الآية- كما سيأتي بيانه- يؤيد هذا الرأي الأخير.
ثمّ تقول الآية: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ.
لعل المقصود بالكتاب هو القرآن الذي يضم كل شيء (ممّا يتعلق بتربية الإنسان و هدايته و تكامله) يبيّنه مرّة بيانا عاما، كالحث على طلب العلم مطلقا، و مرّة بيانا تفصيليا كالكثير من الأحكام الإسلامية و القضايا الأخلاقية.
ثمّة احتمال آخر يقول: إنّ المقصود بالكتاب هو «عالم الوجود» إذ أنّ عالم الخليقة مثل الكتاب الضخم، يضم كلّ شيء و لا ينسى شيئا.
ليس ثمّة ما يمنع من أن تشمل الآية كلا التّفسيرين، فالقرآن لم يترك شيئا تربويا إلّا و ذكره بين دفتيه، كما أنّ عالم الخليقة يخلو من كل نقص و عوز.
و تختم الآية بالقول: ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.