الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٦ - فلسفة خلق الشيطان و حكمة إمهاله
و
لقد نقل في حديث مروي عن الإمام الباقر عليه السّلام تفسير أعمق لهذه الجهات الأربع حيث قال: «ثمّ قال: لآتينّهم من بين أيديهم، معناه أهوّن عليهم أمر الآخرة، و من خلفهم، آمرهم بجمع الأموال و البخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم. و عن أيمانهم، أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة و تحسين الشبهة. و عن شمائلهم، بتحبيب اللذّات إليهم و تغليب الشّهوات على قلوبهم» [١].
و في آخر آية من الآيات المبحوثة هنا يصدر مرّة أخرى الأمر بخروج الشيطان من حريم القرب الإلهي و المقام الرفيع، بفارق واحد هو أن الأمر بطرده هنا اتّخذ صورة أكثر ازدراء و تحقيرا، و أشدّ عنفا و وقعا، و لعلّ هذا كان لأجل العناد و اللجاج الذي أبداه الشيطان بالإلحاح على الوسوسة للإنسان و إغوائه و إغرائه، يعني أن موقفه الأثيم في البداية كان منحصرا في التمرد على أمر اللّه و عدم امتثاله، و لهذا صدر الأمر بخروجه فقط، و لكن عند ما أضاف معصية أكبر إلى معصيته بالعزم على إضلال الآخرين جاء الأمر المشدّد: قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً.
ثمّ حلف على أن يملأ جهنم منه و من اتباعه لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ.
فلسفة خلق الشيطان و حكمة إمهاله:
في مثل هذه الأبحاث تتبادر إلى الأذهان- عادة أسئلة متنوعة و مختلفة أهمها سؤالان:
١- لماذا خلق اللّه الشيطان، مع أنّه علم بأنّه سيكون منشأ للكثير من الوساوس و الضلالات؟
٢- بعد أن ارتكب الشيطان مثل تلك المعصية الكبيرة، لماذا قبل اللّه طلبه في
[١]- تفسير مجمع البيان، ج ٤، ص ٤٠٤.