الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٨ - فلسفة خلق الشيطان و حكمة إمهاله
المنحرفة حوله و لو لا هذه المقايسة و المقارنة لما أمكن تمييز الطريق المستقيم عن الطريق المنحرف.
كلّ هذا بغض النظر عن أنّنا نقرأ في بعض الأحاديث أنّ الشيطان بعد قيامه بذلك الذنب، عرّض سعادته و نجاته في العالم الآخر للخطر بصورة كلّية، و لهذا فإنّه طلب من اللّه تعالى أن يعطيه عمرا طويلا في هذه الدنيا في مقابل عباداته التي كان قد أتى بها قبل ذلك، و كانت العدالة الإلهية تقتضي قبول مثل هذا الطلب.
إنّ النقطة المهمّة الأخرى التي يجب الانتباه إليها- أيضا- هي أنّ اللّه تعالى و إن كان ترك الشيطان حرّا في القيام بوساوسه، و لكنّه من جانب آخر لم يدع الإنسان مجرّدا من الدفاع عن نفسه.
لأنّه أوّلا: وهبه قوّة العقل التي يمكن أن توجد سدّا قويا منيعا في وجه الوساوس الشيطانية خاصّة إذا لقيت تربية صالحة.
و ثانيا: جعل الفطرة النقيّة و حبّ التكامل في باطن الإنسان كعامل فعال من عوامل السعادة.
و ثالثا: يبعث الملائكة التي تلهم الخيرات إلى الذين يريدون أن يعيشوا بمنأى عن الوساوس الشيطانية، كما يصرّح القرآن الكريم بذلك إذ يقول: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [١] إنّها تنزل عليهم لتقوية معنوياتهم بإلهامهم ألوان البشارات و التطمينات لهم.
و نقرأ في موضوع آخر: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [٢] و سدّدوا خطاهم في طريق الحق.
[١]- فصّلت، ٣٠.
[٢]- الأنفال، ١٢.