الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٩ - التّفسير
ثمّ تشير الآية الثّانية إلى الأثر العميق الذي يتركه الإيمان و التقوى- في الحياة الدنيوية للإنسان، فتؤكّد أنّ أهل الكتاب لو طبقوا التّوراة و الإنجيل و جعلوهما منهاجا لحياتهم و عملوا لكل ما نزل عليهم من ربّهم، سواء في الكتب السماوية السابقة أو في القرآن، دون تمييز أو تطرف لغمرتهم النعم الإلهية من السماء و الأرض، فتقول الآية: وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ...
و بديهي أنّ المراد من اقامة التّوراة و الإنجيل هو اتّباعهم لما بقي من التّوراة و الإنجيل الحقيقيين في أيديهم في ذلك العصر، و لا يعني اتّباع ما حرّف منهما و الذي يمكن معرفته من خلال القرائن.
و المراد بجملة ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ هو كل الكتب السماوية و الأحكام الإلهية، لأنّ هذه الجملة يفهم منها الإطلاق، و هي في الحقيقة إشارة إلى النهي عن خلط العصبيات القومية بالوسائل الدينية الإلهية، فليس المهم كون هذا الكتاب عربيا أو ذلك الكتاب يهوديا، بل المهم هو الأحكام الإلهية الواردة فيهما و في كل الكتب السماوية، أي أنّ القرآن أراد أن يطفئ- ما أمكنه ذلك- نار العصبية القومية عند هؤلاء، و يمهد السبيل إلى التغلغل في أعماق نفوسهم و قلوبهم، لذلك فالضمائر الواردة في هذه الآية تعود إلى أهل الكتاب و هي: (إليهم، من ربّهم، من فوقهم، و من تحت أرجلهم) و ما ذلك إلّا لكي يترك هؤلاء عنادهم و صلفهم، و لكي لا يتصوروا أنّ الخضوع و الاستسلام أمام القرآن يعني استسلام اليهود للعرب، بل هو استسلام و خضوع لربّهم العظيم.
و لا شك أنّ المراد باقامة التّوراة و الإنجيل هو العمل بالمبادئ السماوية الواردة فيهما، لأنّ جميع المبادئ و التعاليم كما أسلفنا سابقا- التي جاء بها الأنبياء أينما كانوا- واحدة لا فرق بينها غير الفرق بين الكامل و الأكمل، و لا يتنافى هذا مع النسخ الذي ورد في بعض الأحكام الواردة في الشريعة اللاحقة