الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٠ - رد حاسم على المتحججين و المتعلّلين
أية أمّة أخرى لقبول الأمر الإلهي: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ.
و الآية المتقدّمة كانت تعكس- في الحقيقة- هذا التحجج و هو: أنّ عدم اهتدائنا إنّما هو بسبب غفلتنا و جهلنا بالكتب السماوية، و هذه الغفلة و هذا الجهل ناشئ عن أنّ هذه الكتب نزلت على الآخرين، و لم تنزل علينا.
أمّا هذه الآية فتعكس صفة الإحساس بالتفوق و الادّعاء الفارغ الذي كانوا يدّعونه عن تفوّق العنصر العربيّ على غيرهم.
و قد نقل نظير هذا المعنى في سورة فاطر في الآية (٤٢) عن مقالة المشركين في شكل مسألة قاطعة و ليس من باب القضية الشرطية و ذلك عند ما يقول:
وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً.
و على أية حال فإنّ القرآن يقول في معرض الرّد على هذه الادعاءات أن اللّه سبحانه سدّ عليكم كل سبل التملص و الفرار، و أبطل جميع الذرائع و المعاذير، لأنّ اللّه آتاكم كل الآيات، و أقام كل الحجج المقرونة بالهداية الإلهية و بالرحمة الربانية لكم: فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ.
و الملفت للنظر أنّه استعمل لفظ «البينة» بدل الكتاب السماوي، و هو إشارة إلى أنّ هذا الكتاب السماوي واضح المعالم، بيّن الحقائق من جميع الجهات، و مقرون بالدلائل القاطعة، و البراهين الساطعة اللامعة.
و مع ذلك فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَ صَدَفَ عَنْها.
و «صدف» من «الصدف» و يعني الإعراض الشديد- من دون تفكير- عن شيء، و هو إشارة إلى أنّهم لم يكونوا ليعرضوا عن آيات اللّه فحسب، بل كانوا يبتعدون عنها- أيضا- من دون أن يفكروا فيها أدنى تفكير. ربّما استعملت هذه اللفظة بمعنى آخر و هو منع الآخرين أيضا.