الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٠ - أدلة التوحيد في السموات
بإبراهيم الموحد العابد للّه الواحد، أن يشير إلى كوكب في السماء و يقول: هذا ربّي؟ و من بين آراء المفسّرين الكثيرة نقف عند تفسيرين قد اختار كلا منهما عدد من كبار المفسّرين، كما أنّهما مدعومان بشواهد من المصادر الحديثية:
الأوّل: يقول إنّ إبراهيم كان يريد شخصيا أن يفكر في معرفة اللّه و أن يعثر على المعبود الذي كان يجده بفطرته النقية في أعماق ذاته، إنّه كان يعرف اللّه بنور فطرته و دليل العقل الإجمالي إذ إنّ كل تعبيراته تدل على أنّه لم يكن يشك أبدا في وجوده، و لكنّه كان يبحث عن مصداقه الحقيقي، بل لقد كان يعلم بمصداقه الحقيقي أيضا، و لكنّه كان يريد أن يصل عن طريق الاستدلال العقلي الأوضح إلى مرحلة «حق اليقين».
و قد وقعت له هذه الحوادث قبل نبوته، و يحتمل أن تكون في أوّل بلوغه أو قبيل ذلك.
نقرأ في بعض التواريخ و الرّوايات أنّ هذه كانت المرّة الأولى التي يرنو فيها إبراهيم بنظره إلى السماء و إلى كواكبها الساطعة، لأن أمّه كانت منذ طفولته قد أخفته في عار خوفا عليه من بطش نمرود الجبار و جلاوزته.
غير أنّ هذا الاحتمال يبدو بعيدا، إذ يصعب أن نتصور إنسانا يعيش سنوات طويلة في بطن غار و لا يخلو خارجه، و لو مرّة، في ليلة ظلماء، فلعل الذي قوى هذا الاحتمال في نظر بعض المفسّرين هو تعبير رَأى كَوْكَباً الذي يوحي بأنه لم يكن قد رأى كوكبا حتى ذلك الحين، و لكن هذا التعبير لا يحمل في الواقع مثل هذا المفهوم، بل المقصود هو أنّه، و إن كان قد رأى الكواكب و الشمس و القمر مرات حتى ذلك الوقت، فقد ألقى الأوّل مرّة نظرة فاحصة مستطلعة إلى هذه الظواهر. و كان يفكر في مغزى بزوغها و أفولها و نفي الألوهية عنها، في الحقيقة كان إبراهيم قد رآها مرارا، و لكن لا بتلك النظرة.
لذلك فإنه عند ما يقول: هذا رَبِّي لا يقولها قاطعا جازما، بل يقولها من باب