الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥١ - أدلة التوحيد في السموات
الفرض و الاحتمال حتى يفكر في الأمر، و هذا يشبه تماما حالنا و نحن نحاول أن نعثر على سبب حادثة ما، فنقلب مختلف الاحتمالات و الافتراضات على وجوهها واحدة واحدة، و نستقصي لوازم كل فرضية حتى نعثر على العلة الحقيقية، و هذا لا يكون كفرا، بل و لا حتى دليلا على عدم الإيمان، بل هو طريق لتحقيق أكثر و لمعرفة أفضل، للوصول إلى مراحل أعلى من الإيمان، كما فعل إبراهيم في مسألة «المعاد» إذ قام بمزيد من الدراسة يوصل إلى مرحلة الشهود و الاطمئنان.
جاء في تفسير العياشي عن محمّد بن مسلم عن الإمام الباقر أو الصادق عليهما السّلام أنّه قال: «إنّما كان إبراهيم طالبا لربّه، و لم يبلغ كفرا، و انّه من فكر من الناس في مثل ذلك فإنه بمنزلته» [١].
و هنالك روايتان أخريان يذكرهما تفسير نور الثقلين بهذا الشأن.
أمّا التّفسير الثّاني فيقول: إن إبراهيم كان يقول هذا الكلام أثناء مخاطبته عبدة النجوم و الشمس، و يحتمل أن يكون ذلك بعد مخاصماته الشديدة في بابل مع عبدة الأوثان و خروجه منها إلى الشام، حيث التقى بهؤلاء الأقوام، و إبراهيم الذي كان قد خبر عناد الأقوام الجاهلة في بابل و خطأ تفكيرهم، أراد أن يحلب إليه انتباه عبدة الكواكب و الشمس و القمر، فأظهر في البداية أنّه معهم و قال لهم:
إنكم تقولون: إنّ كوكب الزاهرة هذا هو ربّي، حسنا، فلنر ما يحصل لهذا الإعتقاد في النهاية، و لم يمض وقت طويل حتى اختفى وجه الكواكب النير خلف ستار الأفق المظلم، عندئذ اتّخذ إبراهيم من هذا الأفول سلاحا يواجههم به فقال: أنا لا يمكنني أن أتقبل معبودا كهذا.
و عليه، فإنّ عبارة هذا رَبِّي تعني: هذا ما تعتقدون أنّه ربّي، أو أنّه قالها بلهجة الاستفهام: «هذا ربّي؟».
[١]- تفسير نور الثقلين: ج ١، ص ٧٣٨.