أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣١٤ - الأمر الثالث في معنى «الاقتضاء» الوارد في العنوان
قلنا: نعم لكنّه لا ينافي كون النزاع فيهما أيضاً في الاقتضاء بمعنى العلّية لأنّ كاشفية الدليل فيهما تكون كاشفية عن حصول تمام المصلحة و هو يكون صغرى لعلّية الإجزاء، أي كلّما حصل تمام المصلحة حصل الإجزاء و حصول الإجزاء علّة لسقوط الأمر فيصحّ التعبير فيهما أيضاً بأنّ إتيان المأمور به علّة للإجزاء لأنّه كاشف عن صغرى علّية الإجزاء و هي حصول تمام المصلحة (انتهى بتوضيح منّا).
و قال في تهذيب الاصول ما حاصله: لا يتصوّر العلّية في ما نحن فيه بأيّ معنى فسّر به الإجزاء سواء فسّر بالكفاية أو بسقوط الأمر أو سقوط الإرادة، أمّا الأوّل فلأنّها معنى انتزاعي لا يقع مورد التأثير و التأثّر التكوينيين، و أمّا الثاني فلأنّ الإتيان ليس علّة مؤثّرة في سقوط الأمر كما أنّ السقوط و الاسقاط ليسا من الامور القابلة للتأثير و التأثّر الذين هما من خصائص التكوين، و أمّا الثالث فلأنّ منشأ إرادة المولى تصوّره المراد بما له من المصلحة و هي علّة لأمره بإتيان المأمور به فيكون الإتيان معلولًا للإرادة، فكيف يصير المعلول علّة لانعدام علّته؟ فالأولى دفعاً لهذه التوهّمات أن يقال: إنّ الإتيان بالمأمور به هل هو مجزٍ أو لا؟ [١] (انتهى).
أقول: و لكن يرد عليه:
أوّلًا: أنّ الامور الانتزاعيّة و إن لم تقع مورداً للتأثير و التأثّر إلّا أنّ لها منشأً للانتزاع، و هو في ما نحن فيه تحقّق المصلحة و حصول الغرض، فيمكن أن يقال بأنّ الإتيان علّة للإجزاء و الكفاية باعتبار علّيته لمنشإ انتزاع الكفاية و هو حصول الغرض.
ثانياً: أنّ منشأ الإرادة ليس خصوص تصوّر المراد بما له من المصلحة بل هو بضميمة فقدان المراد كفقدان الماء في قولك «اسقني الماء» فيكون الفقدان موضوعاً للإرادة و الطلب، و بعد الإتيان يتبدّل الفقدان إلى الوجدان، فينعدم موضوع الطلب بوجدان الماء مثلًا و بتبعه ينعدم نفس الطلب و الأمر، و هو أمر وجداني غير قابل للانكار فصار إتيان المأمور به علّة لسقوط الأمر و انعدامه.
و ثالثاً: لا يندفع الإشكال بتبديل العنوان المزبور إلى ما ذكره من العنوان و هو «أنّ الإتيان
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ١٣٦ و ١٣٧، طبع مهر.