أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٩٧ - الأمر الأوّل في أدلّة القولين
في معانٍ خاصّة غير معانيها اللغويّة، بل يمكن أن يقال بتحقّق الوضع في المعاني الشرعيّة من هذا الطريق بكثرة الاستعمال حتّى في خصوص عصر النبي ٦ أيضاً، بل في سنة أو أقلّ، و كذا بالنسبة إلى عصر الأئمّة : في ألفاظ اخر، و إصرار المحقّق الخراساني (رحمه الله) على المنع من حصوله في خصوص لسان الشارع ممّا لا وجه له.
و هنا مذهب آخر و هو أنّه يمكن أن يقال: إنّ بعض الألفاظ المعهودة المعروفة بعنوان الحقائق الشرعيّة ليست في الواقع بحقائق شرعيّة بل إنّها حقائق لغويّة لاستعمالها في الشرائع السابقة كما تشهد عليه جملة من الآيات:
منها قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» [١].
و قوله تعالى: «وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» [٢].
و قوله تعالى: «وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ» [٣].
فإنّ هذه الآيات تشهد على أنّ الصّيام و الصّلاة و الحجّ كانت موجودة بمعانيها الشرعيّة في الشرائع السابقة أيضاً، كما اعترف به جمع من المحقّقين.
نعم قد يرد على هذا بأنّ غاية ما يستفاد من هذه الآيات أنّ معاني هذه الألفاظ كانت موجودة قبل الإسلام و لا تدلّ على كون هذه الألفاظ أسماء لها فتدلّ آية الحجّ مثلًا على أنّ أعمال الحجّ و جملة من مناسكه كانت معمولة من عصر إبراهيم خليل اللَّه ٧، و لا تدلّ على أنّه كان يعبّر عنها بلفظ الحجّ في اللّغة العربيّة.
و لكن يمكن دفعه بأنّ العرب في عصر الجاهلية كانوا يتكلّمون فيما بينهم عن عبادات اليهود و النصارى قطعاً خصوصاً إذا لاحظنا وجود طائفة منهم في المدينة و إنّهم يتكلّمون بما يتكلّم به غيرهم من قبائل العرب، و من البعيد جدّاً كون الألفاظ التي كان العرب يتكلّمون بها عن عبادات اليهود و النصارى و صومهم و صلاتهم غير الألفاظ المستعملة في لسان القرآن، لأنّ لازمه وضع ألفاظ جديدة عربيّة لتلك المعاني مع عدم الحاجة إليها بل هو أشبه شيء بتحصيل الحاصل.
[١] سورة البقرة: الآية ١٨٣.
[٢] سورة مريم: الآية ٣١.
[٣] سورة الحجّ: الآية ٢٧.