أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٩٦ - الأمر الأوّل في أدلّة القولين
في المعاني المتعدّدة، فظهر من جميع ذلك أنّ هذا النوع من الوضع ممّا لا غبار عليه.
بقي هنا شيء:
و هو أنّ هذا الاستعمال هل يكون حقيقة أو مجازاً؟
ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى أنّه نوع ثالث من الاستعمال (لا حقيقة و لا مجاز) و الميزان في صحّته استحسان الطبع، و قال: «دلالة اللفظ على المعنى في هذا الاستعمال بنفسه لا بالقرينة و إن كان لا بدّ حينئذٍ من نصب قرينة إلّا أنّه للدلالة على ذلك (على كونه في مقام الوضع) لا على إرادة المعنى كما في المجاز» [١].
أقول: الظاهر أنّه لا بدّ في هذا الاستعمال من نصب قرينتين: قرينة على كون المستعمل في مقام الوضع، و هذا ما اعترف به المحقّق الخراساني (رحمه الله) أيضاً، و قرينة على استعمال اللفظ في المعنى الجديد كالإشارة إلى المولود مثلًا عند قوله: «ائتني بالحسن» لأنّه مع عدم نصب هذه القرينة لا يفهم المعنى من اللفظ كما هو واضح، و حينئذٍ إمّا أن لم يكن اللفظ قبل هذا الوضع موضوعاً لمعنى آخر، فيكون الحقّ عندئذٍ مع المحقّق المذكور من أنّه ليس حقيقة و لا مجازاً، أو كان قبل هذا موضوعاً لمعنى آخر فيكون استعماله في المعنى الجديد استعمالًا في غير الموضوع له فيكون مجازاً، فكلام المحقّق بإطلاقه غير مرضيّ.
ثمّ يبقى الكلام في أنّ الألفاظ الدائرة في لسان الشرع للُامور المستحدثة هل وضعت لها بالوضع التعييني بأحد نوعيه، أو التعيّني؟
ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى الأوّل و قال: «دعوى الوضع التعييني في الألفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا قريبة جدّاً و مدّعى القطع به غير مجازف قطعاً» [٢].
و لكنّه دعوى بلا بيّنة و قول بلا برهان، و الصحيح حصوله من طريق خصوص الوضع التعيّني فإنّ هذا هو ما نجده بوجداننا العرفي، فاختبر نفسك في الأوضاع الجديدة في حياتنا الاعتياديّة فإنّك تشاهد عندك ألفاظاً وضعت لمعان جديدة بكثرة الاستعمال كلفظ «الشيطان الأكبر» و «المستضعف» و «المستكبر» و «الطاغوت» إلى غير ذلك من الألفاظ المتداولة اليوم
[١] كفاية الاصول: ص ٢١، الطبع الجديد.
[٢] نفس المصدر.