أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٠ - المختار في المعاني الحرفيّة
الهيئة لكونها من المعاني الحرفيّة، و هي مغفول عنها لا ينظر إليها، و لكن ظهر ممّا ذكرنا في المقام أنّ عدم استقلال معاني الحروف لا يساوق عدم النظر إليها و صيرورتها مغفولًا عنها، بل المراد قيامها بالطرفين في الذهن و الخارج، فلا إشكال في جواز تقييدها بالقيود الواردة في الجملة.
٣- إنّه لا يمكن المساعدة على ما أفاده شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) في الواجب المشروط (من رجوع القيد إلى المادّة بدليل أنّ المعنى الحرفي جزئي حقيقي لا يقبل التقييد، و أنّ الهيئة الدالّة على الوجوب في الواجب المشروط من المعاني الحرفيّة) لما ظهر من أنّ الموضوع له في الحروف كثيراً ما يكون جزئيّاً إضافياً ذا أفراد كثيرة، يقبل التقييد، بل يكون غيره فيها نادراً جدّاً، نعم في الحروف الإيجاديّة الإنشائيّة الموضوع له جزئي حقيقي لأنّ الإنشاء من قبيل الإيجاد، و الإيجاد و الوجود لا يكونان إلّا جزئيّاً حقيقيّاً.
٤- إنّ الفرق بين المعاني الحرفيّة و الأسماء المرادفة لها نحو كلمة «الظرفيّة» بالنسبة إلى معنى «في» هو أنّ الظرفيّة الحرفيّة قائمة بخصوص الظرف و المظروف حتّى في الذهن بخلاف الظرفيّة الاسميّة فإنّها مجرّدة عن الطرفين في الذهن، و إن كانت قائمة بهما في الخارج، فالفرق بينهما فرق جوهري ليس منحصراً في مجرّد اشتراط الواضع كما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله).
٥- إنّ معنى ما روى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (سلام اللَّه عليه) و هو: «الكلمة اسم و فعل و حرف، و الاسم ما أنبأ عن المسمّى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى و الحرف ما أوجد معنى في غيره ليس ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) فانه لحفظ ظاهر الحديث و قوله في ذيله:
«و الحرف ما أوجد معنىً في غيره» ذهب إلى أنّ معنى الحرف إيجادي، و كأنّ هذا هو منشأ ما ذهب إليه بعض آخر من الأكابر من أنّ معنى الحرف عبارة عن تضييق المعاني الاسميّة.
بل إنّ لهذا الحديث مضافاً إلى كونه ظنّياً من ناحية السند (لكونه خبراً واحداً فلا ينتقض به الأمر القطعي) تفسيراً آخر.
فنقول: أمّا الفقرة الاولى منها (الاسم) فمعناها واضح لا إشكال فيه.
و أمّا الفقرة الثانيّة (الفعل) فيحتمل فيها معنيان:
الأوّل: أنّ مادّة الفعل مثل «الضرب» مفهوم اسمي لا دلالة له على الزمان لكن يدلّ عليه هيئة الفعل، فهيئة «ضرب» مثلًا تدلّ على زمان وقوع الضرب و يكون بهذا المعنى منبئاً عن حركة المسمّى، فالمراد من الحركة حينئذٍ هو الزمان.