أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٩٥
دلالته عليها مطلقاً سواء في المعاملات و العبادات، و حكي عن فخر المحقّقين موافقته لهما بل وافقهما المحقّق الخراساني (رحمه الله) في بعض شقوق المعاملة و في تهذيب الاصول في جميعها، و لكن خالفهما المشهور، و الحقّ أنّ كلامهما هذا ساقط عن الاعتبار مطلقاً كما سيأتي بيانه.
و كيف كان فهاهنا ثلاثة أقوال: دلالة النهي على الصحّة مطلقاً، و عدم دلالته عليها مطلقاً، و القول بالتفصيل، أي دلالته عليها في الجملة.
أمّا القول الأوّل: فاستدلّ له بأنّ النهي لا يصحّ إلّا عمّا يتعلّق به القدرة، و المنهي عنه هو وقوع المعاملة مؤثّرة صحيحة، فلو كان الزجر عن معاملة مقتضياً للفساد للزم أن يكون سالباً لقدرة المكلّف، و مع عدم قدرته يكون لغواً، فلو كان صوم يوم النحر و النكاح في العدّة مثلًا ممّا لا يتمكّن المكلّف من إتيانهما كان النهي عنهما لغواً لتعلّقه بأمر غير مقدور.
و إن شئت قلت: أنّ الانزجار عن الفعل المنهي عنه حاصل لعدم القدرة عليه، فالنهي عنه حينئذٍ تحصيل للحاصل.
و أجاب عنه المحقّق الخراساني (رحمه الله) بالتفصيل بين ما إذا كان النهي في المعاملات عن المسبّب أو التسبّب، فيدلّ على الصحّة لاعتبار القدرة في متعلّقه عقلًا كالأمر و إنّه لا يكاد يقدر على المسبّب أو التسبّب إلّا فيما إذا كانت المعاملة مؤثّرة صحيحة، و بين ما إذا كان النهي فيها عن السبب فلا يدلّ على الصحّة لأنّ المكلّف قادر على السبب، أي على إجراء الصيغة على أيّ حال: سواء كان صحيحاً أو فاسداً.
هذا كلّه في المعاملات و أمّا العبادات فقد قسّمها إلى قسمين:
أوّلهما: ما كان منها عبادة ذاتيّة كالركوع و السجود ممّا لا تحتاج عباديتها إلى تعلّق أمر بها، فذهب إلى كونها مقدورة صحيحة و لو مع النهي عنها كما إذا كانت مأموراً بها لأنّ عباديتها لا تتوقّف على تعلّق الأمر به لكي لا يمكن تحقّقها إذا تعلّق النهي بها و لم تكن مأموراً بها.
ثانيهما: ما كان منها عبادة لتعلّق الأمر بها و لاعتبار قصد القربة في عباديتها فذهب في هذا القسم إلى عدم كونه مقدوراً مع النهي عنه لأنّ المبغوض لا يكون مقرّباً فيدلّ النهي فيه على الفساد.
و أورد عليه في تهذيب الاصول توجيهاً لقول أبي حنيفة و الشيباني بأنّ مورد نظرهما ليس نفس السبب بما هو فعل مباشري إذ ليس السبب متعلّقاً للنهي في الشريعة حتّى يبحث عنه بل