أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٩ - المختار في المعاني الحرفيّة
المماثلة و إن لم تكن مستقلة في الوجود الخارجي كجميع العوارض لا سيّما ما كانت ذات إضافة، و لكنّها معنى مستقل في الذهن، و لذلك يمكن جعل كلمة «مثل» محلّه، بخلاف معنى «من» و «في» فإنّهما غير مستقلّين في افق الذهن كما هما كذلك في الخارج، و لا يمكن جعل «الابتداء» و «الظرفيّة» محلّهما.
و بقي هنا امور:
١- إنّ الوضع في الحروف عامّ و الموضوع له خاصّ، لأنّ «من» مثلًا لم توضع للابتداء الكلّي المتصوّر في الذهن حين الوضع، بل وضعت لمصاديقه الجزئيّة في الخارج، لأنّها تحكي عن الابتداء الذي تكون حالة لغيره في مثل «سرت من البصرة إلى الكوفة» فيكون الموضوع له خاصّاً لجزئيّة المصداق، و الوضع عامّاً لعدم إمكان إحصاء هذه المصاديق لكثرتها، فنحتاج في تصوّرها إلى تصوّر جامع و عنوان مشير إليها، و لو لا ذلك لم يكن فرق بينه و بين لفظ الابتداء.
هذا كلّه بالنسبة إلى القسم الأوّل من الحروف.
أمّا القسم الثاني و هي التي تدلّ على المعاني الإيجاديّة فيكون الموضوع له فيها جزئيّاً حقيقيّاً خارجياً لأنّها وضعت للإنشاء الذي هو إيجاد، و من المعلوم أنّ ما يوجد بكلمة «يا» مثلًا في جملة «يا زيد» هو النداء الجزئي الخارجي لا تعدّد و لا تكثّر فيه.
أمّا القسم الثالث الذي يكون من قبيل العلامة فلا يتصوّر فيه الوضع و الموضوع له المعهودان في باب الألفاظ اللّذين هما محلّ الكلام (لعدم دلالته على معنى).
و أمّا القسم الرابع فلا نأبى فيه من كون الوضع فيه عاماً و الموضوع له أيضاً عامّاً كأسماء الأجناس، و لكنّه قليل جدّاً.
٢- إنّ معاني الحروف و إن كانت غير مستقلّة لا تلاحظ في أنفسها بل تلاحظ في غيرها لكن ليس هذا بمعنى الغفلة عنها و عدم النظر إليها كما قيل، بل ربّما تكون هي المقصود بالبيان فقط، كما يقال: «هذا عليك لا لك» فيكون قصد المتكلّم فيها معنى «على» و «اللام»، و لا يكون غيرهما مقصوداً بالذات، و سيأتي في باب الواجب المشروط ثمرة هذه النكتة بالنسبة إلى القيود الواردة في الجملة و أنّها هل ترجع إلى المادّة أو الهيئة؟ فقال بعض استحالة رجوعها إلى