أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٦٠ - التنبيه الثالث في مرجّحات النهي على الأمر
و قطع النسل و الحرث لأنّ جلب المصالح الموجودة فيه من طريق إيجابه (و هي أن تكون كلمة اللَّه هي العليا و أن يظهر دينه تعالى على الدين كلّه) أهمّ من دفع تلك المفاسد، و نظير هذا المورد جميع الأحكام الشرعيّة التي يوجب إتيانها تحمّل رياضات شاقّة و أضرار بدنيّة و ماليّة.
إن قلت: فما هو المقصود ممّا ورد في بعض الرّوايات من أنّ اجتناب السيّئات أولى من كسب الحسنات؟
قلنا: أنّ مضمون هذا القبيل من الرّوايات نفس مضمون ما ورد فيها أيضاً من أنّه «لا قربة للنوافل إذا أضرّت بالفرائض» فيكون موردها ما إذا لم تصل الحسنات إلى حدّ اللزوم، و يشهد على هذا المعنى نفس هذه الموارد التي قدّم الشارع فيها جلب المنفعة على دفع المفسدة.
و أمّا عقلًا فلأنّ العقل ينظر إلى ميزان الأهمّية من دون فرق بين المصلحة و المفسدة، فإن رأى أنّ درجة أهمّية المفسدة أكثر يقدّمها على المصلحة و إن رأى أنّ درجة أهميّة المنفعة أكثر يقدّمها على المفسدة و لا خصوصيّة عنده للمفسدة من حيث هي مفسدة.
و أمّا عقلائيّاً فلأنّا نشاهدهم أنّهم تارةً يقدّمون المفسدة على المصلحة و اخرى بالعكس فيما إذا استهدفوا مصلحة عظيمة فإنّهم مثلًا في الصناعات و التجارات يصرفون ثروة عظيمة بعنوان رأس المال و يستقبلون المضارّ الكثيرة لمنافع هامّة محتملة، و يمكن التمثيل لهذا أيضاً بعمليّة الجراحة في يومنا هذا الذي يوجب مضارّاً كثيرة و لكن فيه منافع أكثر منها.
و بالجملة أنّه ليس هناك قاعدة عامّة بعنوان أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة.
و أظنّ أنّ هذا القبيل من القضايا التي ظهرت في الألسن بشكل ضابطة كلّية كانت صادقة في الخارج بصورة قضيّة جزئيّة أو غالبية ثمّ جرت على نحو قاعدة كلّية نظير ما اشتهر بينهم أيضاً «أنّ الأقرب يمنع الأبعد» مع أنّ القضيّة في كثير من الموارد تكون بالعكس، و هكذا في كثير من الأمثال المتداولة و الجارية بين الخاصّ و العامّ.
ثمّ إنّه أورد على هذا الوجه أيضاً في المحاضرات: تارةً بأنّه على فرض تسليم كبراها ليس المقام من صغرياتها جزماً، بداهة أنّه على القول بالامتناع و وحدة المجتمع وجوداً و ماهية فهو إمّا مشتمل على المصلحة دون المفسدة أو بالعكس، فإن قلنا بتقديم الوجوب فلا حرمة و لا مفسدة تقتضيها، و إن قلنا بتقديم الحرمة فلا وجوب و لا مصلحة تقتضيه ... و موضوع هذه القاعدة ما إذا كان في فعل مفسدة ملزمة و في فعل آخر مصلحة كذلك، و لا يتمكّن المكلّف من