أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥٩ - التنبيه الثالث في مرجّحات النهي على الأمر
و قد أورد على صغرى هذا الوجه بأنّ عموم النهي أيضاً لا يكون إلّا بواسطة مقدّمات الحكمة الجارية في المتعلّق كمادّة الغصب و نحوها، و لكنّه (رحمه الله) رجع عنه في ذيل كلامه بقوله «اللهمّ إلّا أن يقال إنّ لفظ الكلّ أو النهي أو النفي الداخل على الجنس بنفسه كافٍ في الدلالة على استيعاب تمام أفراد المدخول من دون حاجة إلى مقدّمات الحكمة في المتعلّق» [١].
أقول: الحقّ أنّ هذا الوجه لا يوجب ترجيحاً للنهي على الأمر، لأنّ المقصود من عدم البيان في مقدّمات الحكمة ليس هو عدم البيان إلى الأبد حتّى يكون كلّ بيان وارداً و مقدّماً عليه، بل المقصود هو عدم البيان في مقام التخاطب و في زمان البيان، فإذا لم يرد بيان في مقام البيان و التخاطب تمّت مقدّمات الحكمة و صار المطلق ظاهراً في العموم البدلي، و لا فرق بينه و بين العام من حيث قوّة الدلالة و ضعفها.
الوجه الثاني: ما هو ناظر إلى عالم الثبوت و هو أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة، و لا إشكال في أنّ ترك المنهي عنه دفع للمفسدة، و العمل بالمأمور به جلب للمنفعة.
و قد أورد عليه من جانب المحقّق القمّي (رحمه الله) صاحب القوانين بالمناقشة في الصغرى أيضاً بأنّ في ترك الواجب أيضاً مفسدة إذا كان تعيينياً.
و أجاب عنه المحقّق الخراساني (رحمه الله) بأنّ ترك الواجب فوت للمصلحة دائماً، و هو غير درك المفسدة.
أقول: هذا الوجه أيضاً غير تامّ صغرى و كبرى:
أمّا الصغرى فلأنّ الموارد مختلفة، فتارةً يكون وجود الواجب مصداقاً لجلب المنفعة و اخرى يكون تركه مصداقاً لذلك كالزّكاة فإنّ في تركها مفسدة جوع الفقراء و فقرهم الذي هو منشأ لمفاسد كثيرة فرديّة و اجتماعيّة كما يرشدنا إليه ما ورد في لسان الحديث.
«إنّ الناس ما جاعوا و لا افتقروا إلّا بذنوب الأغنياء».
و أمّا الكبرى فلأنّها لا دليل عليها شرعاً و لا عقلًا و لا عقلائيّاً:
أمّا شرعاً فلأنّا نشاهد موارد كثيرة في لسان الشرع قدّم جلب المنفعة فيها على دفع المفسدة، منها الجهاد الابتدائي فإنّه واجب مع استلزامه مضاراً شديدة كثيرة من الجراحات
[١] كفاية الاصول.