أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥٨ - التنبيه الثالث في مرجّحات النهي على الأمر
عن الشرطيّة في صورة الجهل و النسيان و الاضطرار لعدم كون النهي في هذه الحالات فعليّاً و معه لا يجتمع الأمر مع النهي حتّى يستفاد منه شرطيّة الإباحة، و اخرى يستفاد الشرط من دليل لفظي خاصّ فحينئذٍ مقتضى إطلاق الدليل شرطيه ذلك الشرط مطلقاً حتّى في حال الجهل و النسيان و الاضطرار نظير شرطي القبلة و الطهارة و نتيجته بطلان الصّلاة مع فقد أحدهما حتّى في تلك الحالات أيضاً.
التنبيه الثالث: في مرجّحات النهي على الأمر
قد مرّ سابقاً أنّ المتّبع في باب التزاحم إنّما هو الأهمّ من الملاكين، فبناءً على القول بالامتناع في باب الاجتماع و فقد المندوحة حيث إنّ المقام يدخل في باب التزاحم فلا بدّ من ملاحظة المرجّحات و كشف الأهمّ من الحكمين بالرجوع إلى لسان الأدلّة و ملاحظة مذاق الشارع المقدّس في مجموع الأحكام، فإن كان الترجيح مع الأمر كان الواجب العمل به و إتيان المأمور به، و إن كان الترجيح مع النهي كان اللازم أيضاً العمل به و ترك المنهي عنه، فمثلًا يستفاد من أدلّة وجوب الصّلاة أنّ الصّلاة لا تترك بحال و إنّه لا بدّ من إتيانها في جميع الحالات، و لازمه كونها أهمّ من الغصب، فيقدّم الأمر على النهي و يؤتى بالصّلاة في الدار المغصوبة بجميع أجزائها إلّا ما يكون له البدل كالركوع و السجود فيؤتى بهما إيماءً.
هذا ممّا لا إشكال فيه، إنّما الإشكال فيما إذا لم يمكن كشف الأهمّ من لسان الأدلّة الخاصّة فهل هناك ضابطة عامّة تدلّ على ترجيح الأمر أو النهي أو لا؟
قد يقال: إنّ الترجيح مع النهي مطلقاً إلّا ما خرج بدليل خاصّ، و يستدلّ له بوجوه عديدة:
الوجه الأوّل: ما هو ناظر إلى عالم الإثبات، و هو أنّ أدلّة النهي على حرمة مورد الاجتماع شمولي و يكون بالعموم، و دلالة الأمر على وجوبه بدلي و يكون بالاطلاق، و العام الشمولي أقوى دلالة من العام البدلي، لأنّ الأوّل يستفاد من اللفظ و العموم، و الثاني يستفاد من الإطلاق و مقدّمات الحكمة، و لا إشكال في تقديم العموم على الإطلاق و وروده عليه لأنّ من مقدّمات الحكمة عدم البيان، و عموم العام بيان.