أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥٧ - التنبيه الثاني في آثار باب التزاحم
التنبيه الثاني: في آثار باب التزاحم
قد ذكرنا سابقاً أنّ باب اجتماع الأمر و النهي داخل في باب التزاحم لا التعارض، أي يكون كلّ واحد من الأمر و النهي تامّاً من ناحية الملاك و اجتماع جميع شرائط الفعليّة، و حينئذٍ لا بدّ من لحاظ أقوى الملاكين (و لا حاجة إلى ملاحظة المرجّحات السندية و الدلاليّة المعنونة في باب التعارض) و يتفرّع على ذلك أمران:
أحدهما: أنّه إذا أحرز أقوى الملاكين يؤخذ به و يقدّم واجده على فاقده و يستكشف من هذا الطريق فعلية الحكم الذي يكون ملاكه أقوى، و أمّا إذا لم يحرز الغالب منهما و كان الخطابان كلاهما بصدد بيان الحكم الفعلي، أي كانا متعارضين في مقام الفعليّة و إن كانا متزاحمين من ناحية الملاك و الاقتضاء فلا إشكال حينئذٍ في لزوم ملاحظة المرجّحات السنديّة و الدلاليّة و تقديم الأقوى منهما دلالة أو سنداً على الآخر، و يستكشف حينئذٍ من طريق الإنّ أنّ ملاكه أقوى.
نعم حيث إنّ محلّ البحث في المقام إنّما هو باب اجتماع الأمر و النهي الذي تكون النسبة بين الدليلين فيه عامين من وجه يلاحظ فيه خصوص المرجّحات الدلاليّة، و أمّا المرجّحات السنديّة فإنّها جارية في المتباينين فقط كما ذكر في محلّه.
ثانيهما: أنّ مقتضى كون المقام من باب التزاحم صحّة العمل للجاهل و الناسي و المضطرّ حتّى إذا قلنا بتقديم جانب النهي، لثبوت الملاك و المقتضي في كلا الحكمين، فإذا لم يؤثّر مقتضى حرمة الغصب مثلًا لاضطرار أو جهل أو نسيان يؤثّر مقتضى وجوب الصّلاة فتقع الصّلاة صحيحة.
و هذا بخلاف باب التعارض لأنّ لازم تقديم النهي فيه على الأمر ثبوت الملاك في خصوص النهي و كون الأمر كاذباً و عدم كونه واجداً للملاك و معه لا وجه لصحّة المأمور به.
و إن شئت قلت: ربّما يستفاد شرط من شرائط الصّلاة من اجتماع الأمر و النهي و تزاحمهما و امتناع اجتماعهما كإباحة مكان المصلّي التي لا دليل على اعتبارها في الصّلاة إلّا تزاحم الأمر بالصّلاة و النهي عن الغصب و عدم إمكان اجتماعهما بناءً على الامتناع، فهي لا تستفاد لا من آية و لا من رواية، بل الكاشف عنها إنّما هو تزاحم الأمر و النهي و امتناع اجتماعهما (و لذلك لم يقل به أحد من فقهاء العامّة القائلين بجواز الاجتماع) فلا إشكال حينئذٍ في سقوط هذا الشرط