أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥ - ٤- المعاني الحرفيّة
أقول يرد عليه: أنّ هذا في الحقيقة شرط من ناحية الواضع لو قلنا به، و هو لا يوجب إلزاماً لغيره من المستعملين، فيستلزم أن يكون الاسم و الحرف مترادفين، إلّا أن يقال: إنّ شرط الواضع يوجب محدوديّة في الموضوع له التي تعبّر عنها في بعض الكلمات بالتضييق الذاتي، و في كلام المحقّق العراقي (رحمه الله) بالحصّة التوأمة، و لكن هذا يرجع في الحقيقة إلى تغاير الموضوع له فيهما فلا تكون الحروف متّحدة مع الأسماء في الموضوع له.
و بعبارة اخرى: الذي يوجب قبوله من الواضع إنّما هو ما يكون في دائرة الوضع فإن كان هناك شيء خارج عنها و كان الموضوع له مطلقاً بالنسبة إليه فلا مانع حينئذ في استعمال تلك اللّفظة على نحو عامّ، فلو شرط الواضع عدم استعماله بدون ذاك القيد لم يقبل منه لأنّه بما هو واضع لم يأخذه قيداً فكيف يجب قبول هذا الشرط؟
أمّا القول الثالث: و هو ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) [١] فيرد عليه أمران لا محيص عنهما:
الأوّل: (و هو العمدة) إنّه لا معنى لأن توجد النسبة بلفظ لا معنى له، و لا يدلّ على مفهوم، فإن لم يكن لكلمة «في» مثلًا معنى الظرفيّة فلا يمكن إيجادها بها في الكلام كما لا يخفى، فاللازم دلالة الحروف أوّلًا و بالذات على معنى و حكايتها عنه ثمّ إيجاد النسبة الكلاميّة بها في ضوء تلك الحكاية.
الثاني: أنّه لو كانت معاني الحروف إيجاديّة فلا سبيل للصدق و الكذب إليها كما هو كذلك في جميع الإنشائيات فلا معنى لكون قضيّة «زيد في الدار» صادقة أو كاذبة، و هذا كما ترى.
نعم لا إشكال في إيجاديّة معاني بعض الحروف نحو حروف النداء و حروف التمنّي و الترجّي و القسم و التأكيد التي تشكّل قسماً خاصّاً من الحروف كما ستأتي الإشارة إليه إن شاء اللَّه.
أمّا القول الرابع: فقد مرّت الإشارة إليه و إليك توضيحه من ملخّص كلامه:
قال في هامش أجود التقريرات: «و التحقيق أن يقال: إنّ الحروف بأجمعها وضعت لتضييقات المعاني الاسمية و تقييداتها بقيود خارجة عن حقائقها، و مع ذلك لا نظر لها إلى النسب الخارجيّة بل التضييق إنّما هو في عالم المفهوميّة ... توضيح ذلك: إنّ كلّ مفهوم اسمي له سعة و إطلاق بالإضافة إلى الحصص التي تحته سواء كان الإطلاق بالقياس إلى الخصوصيّات
[١] راجع أجود التقريرات: ج ١، ص ١٦.