أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٣ - ٤- المعاني الحرفيّة
و لكن المحصّل من مجموع كلامه كما لا يخفى على من راجعه و دقّق النظر فيه هو القول الخامس الذي ستأتي الإشارة إليه من أنّ الحروف تدلّ على معانٍ غير مستقلّة في الذهن و الخارج.
القول الثاني: ما ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) و هو عكس الأوّل، و حاصله إنّه لا فرق بين الحروف و الأسماء في كون معاني كليهما استقلاليّة، فلا فرق بين «من» مثلًا و كلمة «الابتداء» في دلالة كليهما على الابتداء.
إن قلت: فلما ذا لا يمكن استعمال أحدهما في موضع الآخر؟
قلت: إنّه ناشٍ من شرط الواضع لا إنّه مأخوذ في الموضوع له، فإنّ الواضع اعتبر لزوم استعمال «من» فيما إذا لم يكن معنى الابتداء ملحوظاً استقلاليّاً و شرط في كلمة الابتداء استعمالها فيما إذا لم يكن المعنى آلياً.
القول الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) و حاصله: إنّ معاني الحروف كلّها إيجاديّة يوجد بها الربط بين أجزاء الكلام، فإنّ «من» في جملة «سرت من البصرة إلى الكوفة» مثلًا توجد الربط بين كلمتي «البصرة» و «سرت».
و الظاهر من كلامه إنّها ليست حاكيات عن معانيها بل وضعت لإنشائها، فإنّ «في» مثلًا لا تحكي عن الظرفيّة بل توجدها في قولك «زيد في الدار».
القول الرابع: ما أفاده بعض الأعلام، و ملخّصه: إنّ المعاني الحرفيّة وضعت لتضييق المعاني الاسمية و مع ذلك لا نظر لها إلى النسب الخارجيّة كما سيأتي توضيحه [١].
القول الخامس: قول كثير من المحقّقين. و هو أنّها وضعت للحكاية عن النسب الخارجيّة و المفاهيم غير المستقلّة و هو الأظهر من الجميع.
توضيحه: أنّ المفاهيم و المعاني على قسمين: مستقلّة و غير مستقلّة، فالمستقلّة نحو «مفهوم السير» و غير المستقلّة مثل ابتدائه و انتهائه، و كما نحتاج في بيان المعاني المستقلّة و الحكاية عنها إلى ألفاظ، كذلك في المعاني غير المستقلّة، فمثلًا كما نحتاج في بيان معنى «زيد» و «قائم» إلى لفظ زيد قائم، كذلك نحتاج في بيان نسبة زيد إلى قائم و صدور القيام عن زيد إلى وضع لفظ، و هو
[١] راجع أجود التقريرات: ص ١٨- ١٩.