أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥١٦ - الأمر الرابع هل المسألة اصوليّة أم لا؟
أقول: يمكن الجواب عن هذا الوجه ببيان آخر، و هو أنّه كما يبحث في المبادئ التصوّريّة عمّا يرجع إلى تصوّر الموضوع و المحمول كذلك يبحث فيها عمّا يرجع إلى تصوّر غاية ذلك العلم، و لا إشكال في أنّ غاية علم الاصول إنّما هي استنباط الحكم الشرعي، فيكون الحكم مأخوذاً في غايته، فالبحث عن أحوال الحكم و أوصافه (نظير البحث عن أنّ الحرمة و الوجوب هل يجتمعان في شيء واحد أو لا) داخل في المبادئ التصوّريّة لعلم الاصول، فيرجع كون البحث في المقام من المبادئ الأحكاميّة لعلم الاصول إلى أنّه من المبادئ التصوّريّة لعلم الاصول.
نعم، إنّ هذا كلّه تامّ لو كان البحث في المقام بحثاً عن كبرى تضادّ الأمر و النهي (أي تضادّ الوجوب و الحرمة) فيكون بحثاً عن أوصاف الوجوب و الحرمة و أنّهما هل يكونان متضادّين، أو لا؟
مع أنّه ليس كذلك حيث إنّه بحث عن صغرى التضادّ و عن أنّ تعلّق الأمر و النهي بشيء واحد ذي عنوانين هل يوجب اجتماع المتضادّين بعد الفراغ عن كبرى تضادّ الأحكام الخمسة، أو لا؟
فظهر أنّ البحث في ما نحن فيه ليس من المبادئ الأحكاميّة التي ترجع في الواقع إلى المبادئ التصوّريّة.
و ذهب المحقّق النائيني (رحمه الله) إلى أنّها من المبادئ التصديقية لعلم الاصول و ليست من مسائله، و حاصل بيانه أنّ هذه المسألة على كلا القولين فيها لا تقع في طريق استنباط الحكم الكلّي الشرعي بلا واسطة ضمّ كبرى اصوليّة، و قد تقدّم أنّ الضابط لكون المسألة اصوليّة هو وقوعها في طريق الاستنباط بلا واسطة، و المفروض أنّ هذه المسألة ليست، كذلك فإنّ فساد العبادة لا يترتّب عليه القول بالامتناع فحسب بل لا بدّ من ضمّ كبرى اصوليّة إليه، و هي قواعد مسألة التعارض، فإنّ هذه المسألة على هذا القول تدخل في كبرى تلك المسألة و تكون من إحدى صغرياتها، فيترتّب فساد العباد بعد إعمال قواعد التعارض و تطبيقها في المسألة لا مطلقاً، و هذا شأن كون المسألة من المبادئ التصديقية لمسائل علم الاصول دون المسائل الاصوليّة نفسها، كما أنّها على القول بالجواز تدخل في كبرى مسألة التزاحم فتدخل في مبادئ بحث التزاحم [١].
[١] راجع أجود التقريرات: ج ١، ص ٣٣٣- ٣٣٤.