أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠٨ - الجهة الثالثة دلالة النهي على التكرار و عدمه
الحقّ هو الثاني، أي يستفاد الوجوب من الإطلاق و مقدّمات الحكمة كما مرّ نظيره في مبحث الأمر، فإنّ الكلام هنا هو الكلام هناك، فكما أنّ دلالة الأمر على الوجوب كان من باب أنّ معناه هو الطلب مطلقاً (الذي يعبّر عنه بالفارسيّة ب «خواستن») و لا سبيل لعدم الطلب (الذي يعبّر أيضاً عنه بالفارسيّة «نخواستن») فيه، فيكون الوجوب مقتضى هذا الإطلاق، و لازمه أن لا يكون استعمال الأمر في الاستحباب مجازاً مع احتياجه إلى قيام قرينة على الاستحباب، كذلك دلالة النهي على الحرمة، فإنّ معناه الزجر و المنع عن الفعل مطلقاً من دون تطرّق عدم الزجر فيه، و هذا يقتضي الحرمة و أن لا يكون استعماله في الكراهة بضمّ القرينة مجازاً، لأنّه ليس من قبيل استعمال اللفظ في غير ما وضع له.
الجهة الثالثة: دلالة النهي على التكرار و عدمه
هل النهي يدلّ على التكرار و الاستمرار و وجوب إتيان جميع الأفراد الطوليّة (بعد ما مرّ سابقاً من دلالته على وجوب إتيان جميع أفراده العرضيّة) أو لا؟
لا إشكال في أنّ الأمر لا يدلّ على المرّة و لا على التكرار كما مرّ، و لكن حيث إنّ ملاك الحرمة في النواهي و هو المفسدة قائمة بتمام الأفراد كما عرفت كان مقتضى إطلاق النهي و عدم تقييده بحدّ زماني الاستمرار و التكرار، أي الإتيان بجميع الأفراد الطوليّة كالافراد العرضيّة، نعم إذا قيّد بقيد زماني كأن يقول المولى: «لا تشرب الخمر إلى الغروب» فلا إشكال في عدم دلالته على التكرار.
إن قلت: لازم هذا لزوم الفتوى بوجوب الاستمرار في باب النذر فيما إذا نذر مثلًا على نحو الإطلاق أن يترك التدخين و أن يبقى وجوب الوفاء على حاله حتّى بعد وقوع الحنث، مع أنّ الظاهر أنّه لا يقول به أحد.
قلنا: أوّلًا: لقائل أن يقول في خصوص باب النذر: بأنّ النهي ليس من قبيل الزجر عن الفعل بل أنّه من قبيل طلب الترك، لأنّ الناذر يقول: «للَّه عليّ ترك التدخين» و هذا بعد ضمّ دليل الوفاء، أي (اوفوا بالنذور) معناه «يجب عليك ترك التدخين» لا الزجر عن التدخين كما لا يخفى، و لا إشكال في أنّه إذا كان هذا هو متعلّق النذر لم يجب التكرار و الاستمرار بل يحصل الوفاء بإتيان مصداق واحد.