أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠ - ٣- الكلام في أقسام الوضع
فالأقسام الحاصلة أربعة.
الأوّل: أن يكون المعنى المتصوّر مفهوماً عامّاً، أي معنىً كلّياً، و يوضع اللفظ بإزاء نفس ذلك المفهوم، فيكون الوضع عامّاً و الموضوع له أيضاً عامّاً (و نعني بالوضع هنا المعنى المتصوّر).
الثاني: هو أن يتصوّر معنىً عامّاً و يضع اللفظ لمصاديقه، فيكون الوضع عامّاً و الموضوع له خاصّاً.
الثالث: أن يكون الوضع و الموضوع له كلاهما خاصّين.
و لا كلام في إمكان جميع هذه الوجوه الثلاثة، إنّما الكلام في قسم رابع و هو أن يتصوّر معنىً جزئيّاً و يضع اللفظ لكلّيه، كأن يتصوّر زيداً مثلًا و يضع اللفظ للإنسان.
فالمشهور ذهبوا إلى استحالة هذا القسم و تبعهم المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و لكن المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) نقل عن بعض طريقاً لإمكانه، و استدلّ المحقّق الحائري (رحمه الله) أيضاً لإمكانه بوجه آخر.
أمّا المشهور فاستدلّوا للاستحالة بأنّ الخاصّ من حيث كونه خاصّاً لا يكون مرآة للعام و عنواناً له بخلاف العكس، فإنّ العامّ شامل لأفراده و وجه لها.
و استدلّ بعض القائلين بالجواز (على ما حكاه المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في نهايته: «بأنّه كالمنصوص العلّة، فإنّ الموضوع للحكم فيه شخصي و مع ذلك يسري إلى كلّ ما فيه العلّة و كذلك إذا وضع لفظ لمعنى باعتبار ما فيه من فائدة، فإنّ الوضع يسري إلى كلّ ما فيه تلك الفائدة، فيكون الموضوع له عامّاً مع كون آلة الملاحظة خاصّاً» [١].
و يرد عليه: أنّ العلّة في منصوص العلّة تكشف في الواقع عن إنشاء حكم عامّ فتكون جملة «لأنّه مسكر» مثلًا جملة خبريّة تخبر عن ذلك الحكم الكلّي، و ليست جملة إنشائيّة، و بعبارة اخرى: أنّ هنا قضيّتين: قضيّة «لأنّه مسكر» و قضيّة تقع كبرى للقياس و هي «كلّ مسكر حرام»، و المنشأ الحقيقي هو القضيّة الثانيّة التي أنشأ فيها حكم عامّ، و أمّا القضيّة الاولى فتكون كاشفة عنها، و هكذا في ما نحن فيه، فإنّ تصوّر الجزء لأجل خصوصيّة فيه يكشف عن تصوّر
[١] نهاية الدراية: ج ١، ص ٢٠، طبع الطباطبائي.