أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٩٦ - الفصل الثامن عشر الأمر بالأمر
الواسطة، و اخرى يكون وصول أمر المولى من ناحية أمر الواسطة تمام الموضوع في الوجوب، فأراد المولى مثلًا توقيره و تعظيمه و إثبات رفعة شأنه عنده، فلا إشكال أيضاً في عدم وجوب الامتثال على العبد ما لم يصل الأمر من جانب الواسطة، و ثالثة يكون وصول الأمر من ناحية أمر الواسطة جزء للموضوع كما هو الغالب في الأوامر الاداريّة و الفرامين القانونيّة العقلائيّة، فلا بدّ لوجوب امتثالها من إبلاغها بطريق خاصّ فلا يجب الامتثال إلّا إذا بلغ الحكم من ذلك الطريق.
الثاني في مقام الإثبات: فالذي يستظهر من الآيات و الرّوايات هو القسم الأوّل فيكون الرسول الأعظم ٦ في الآيات المذكورة في أوّل البحث مجرّد مبلّغ لايصال الأوامر الإلهيّة إلى العباد، بل هو المتبادر من نفس كلمة «الرسول» كما لا يخفى، و حينئذٍ يجب على العباد الإطاعة و امتثال الأوامر الشرعيّة و إن لم تصل إليهم من جانب شخص الرسول بل وصلت إليهم من طرق اخرى.
ثمّ إنّ بعض الأعلام جعل ثمرة هذا النزاع شرعيّة عبادة الصبي و قال: «إنّ الثمرة المترتّبة على هذا النزاع هي شرعيّة عبادة الصبي بمجرّد ما ورد في الرّوايات من قوله ٧
«مروهم بالصّلاة و هم أبناء سبع سنين»
، فإنّه بناءً على ما ذكرناه من أنّ الأمر بالأمر بشيء ظاهر عرفاً في كونه أمراً بذلك الشيء تدلّ تلك الرّوايات على شرعيّة عبادة الصبي لفرض عدم قصور فيها لا من حيث الدلالة كما عرفت، و لا من حيث السند لفرض أنّ فيها روايات معتبرة».
ثمّ قال: «قد يقال كما قيل [١] أنّه يمكن إثبات شرعيّة عبادة الصبي بعموم أدلّة التشريع كقوله تعالى: «أَقِيمُوا الصَّلاةَ»* و قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» و ما شاكلهما ببيان أنّ تلك الأدلّة بإطلاقها تعمّ البالغ و غيره ... و حديث «رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم» لا يقتضي أزيد من رفع الإلزام ... لا أصل المحبوبيّة عنها، ثمّ أجاب عنه بأنّ الوجوب أمر بسيط لا تركيب فيه أصلًا، لأنّه عبارة عن اعتبار المولى الفعل على ذمّة المكلّف و إبرازه في الخارج بمبرز من لفظ أو نحوه، و حديث الرفع يكون رافعاً لهذا لاعتبار، فيدلّ على أنّ الشارع لم يعتبر فعلًا كالصّلاة و الصّوم و ما شاكلهما على ذمّة الصبي» (انتهى ملخّصاً) [٢].
[١] و لعلّ القائل به هو السيّد الحكيم (رحمه الله) فراجع مستمسكه: ج ٨ كتاب الصّوم باب من يصحّ منه الصّوم.
[٢] راجع المحاضرات: ج ٤، ص ٧٦- ٧٧.