أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٩٠ - هل القضاء تابع للأداء، أو بأمر جديد؟
الواجب المضيّق، فقد يقال، أنّه لا إشكال في أنّ زمان الانبعاث متأخّر عن زمان البعث و لو آناً ما، فلو فرضنا أنّه بمجرّد طلوع الفجر مثلًا وقع الإيجاب في لحظة بعد الطلوع، و أنّ إرادة المكلّف و عزمه على الفعل أيضاً يحتاج إلى لحظة من الزمان فلا أقلّ من أن يتأخّر الانبعاث عن البعث بمقدار لحظتين من الزمان، و لازمه خروج كلّ واجب مضيّق عن كونه مضيّقاً و دخوله في الواجب الموسّع، و أن يكون كلّ واجب موقّت موسّعاً.
و لكنّه إشكال واهٍ و ضعيف غاية الضعف، حيث إنّ المفروض أنّ القضايا الشرعيّة قضايا شرطيّة حقيقة صدرت من جانب الشارع قبل مجيء زمان الواجب بل قبل تولّد هذا المكلّف، و أنّ المكلّف يطلع عليها قبل دخول الوقت، فهو يعلم مثلًا أنّ وجوب الصّيام يصير فعليّاً بالنسبة إليه بمجرّد طلوع الفجر، و أنّ عليه أن يمسك عن الأكل و الشرب من أوّل طلوع الفجر (كما ورد في قوله تعالى: «كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» [١]) فهو يريد الامساك و يعزم عليه لحظات قبل الطلوع من باب المقدّمة العلمية، وعليه يكون زمان البعث منطبقاً على زمان الانبعاث كما لا يخفى.
و استشكل في الواجب الموسّع بأنّ لازمه جواز ترك الواجب في زمان وجوبه و هذا ينافي معنى الوجوب.
و الجواب عنه أيضاً واضح: لأنّ متعلّق الواجب إنّما هو طبيعة الصّلاة الواقعة بين الحدّين من الزمان، و ليس المتعلّق أفرادها الطوليّة كما لا يكون المتعلّق أفرادها العرضية كإتيانها في المسجد أو في الدار، و بعبارة اخرى: الساعات الواقعة بين الحدّين إنّما هي بمنزلة الأفراد و المصاديق لتلك الطبيعة التي يكون المكلّف مخيّراً بينها تخييراً عقليّاً، و لا إشكال في أنّ اختيار المكلّف فرداً من أفراد الواجب التخييري أي طرفاً من أطرافه لا يستلزم تركه للواجب بل يتحقّق ترك الواجب بترك جميع الأفراد و الابدال.
هل القضاء تابع للأداء، أو بأمر جديد؟
ثمّ إنّ هاهنا بحثاً معروفاً قديماً و حديثاً، و هو أنّه هل يجب القضاء بمجرّد ترك الواجب في
[١] سورة البقرة: الآية ١٨٧.