أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٩ - ٣- الكلام في أقسام الوضع
٢- من الواضع؟
الكلام في تعيين شخص الواضع و إنّه مَن هو؟ فهل هو اللَّه تعالى أو إنسان خاصّ، أو جماعة خاصّة من أبناء البشر، أو أفراد غير معروفين؟
من الواضح أنّ الأنبياء كانوا يتكلّمون بلسان قومهم كما قال تبارك و تعالى: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ» [١]، و منه يعلم عدم نزول الألفاظ عليهم من ناحية اللَّه تعالى، كما أنّ الظاهر عدم دلالة شيء من النصوص أيضاً على كون الواضع هو سبحانه أو أنبيائه : و لو فرض قبول ذلك في خصوص اللسان الذي كان يتكلّم به آدم ٧ فلا شكّ في أنّه غير مقبول بالنسبة إلى اللغات الاخر التي هي كثيرة جدّاً.
أمّا أن يكون الواضع شخصاً خاصّاً أو جماعة معينة فهو أيضاً لا دليل عليه من التاريخ على ما بأيدينا، بل الوجدان حاكم على خلافه، لأنّا نجد بوجداننا إبداع ألفاظ جديدة و لغات حديثة على أساس الحاجات اليوميّة الاجتماعيّة، على مدى القرون و الأعصار من دون وجود واضع خاصّ معروف في البين، فيتعيّن حينئذٍ كون الواضع عدّة أفراد مختلفين في كلّ عصر من الأعصار و في كلّ زمان و مكان.
و أمّا منشأ اختلاف اللغات فالظاهر أنّ السبب الوحيد هو انتشار الأقوام المختلفة في أقطار الأرض و تباعد كلّ قوم عن سائر الأقوام، خصوصاً بعد ملاحظة عدم وجود وسائل الاعلام الموجودة في يومنا هذا بينهم حتّى تنتقل لغة خاصّة من قوم إلى قوم، و حينئذٍ لا بدّ لكلّ قوم من اتخاذ لغة خاصّة وفقاً لحاجاتهم و بتبعه تتعدّد اللغات و يختلف بعضها عن بعض.
٣- الكلام في أقسام الوضع
لا بدّ في كلّ وضع من موضوع و موضوع له، و حيث إنّ الواضع يحتاج إلى تصوّر اللفظ و المعنى ينقسم الوضع إلى أقسام و يتنوّع إلى أنواع بلحاظ اختلاف المعنى من حيث الكليّة و الجزئيّة، و باعتبار أنّ المعنى الموضوع له تارةً يتّحد مع ما يتصوّره الواضع، و اخرى يختلف،
[١] سورة إبراهيم: الآية ٤.