أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨ - ١- حقيقة الوضع
قلت: إنّه إذا تولّد الإنسان بين أهل لغة خاصّة و عاش فيهم كان ذلك في الواقع تعهّداً ضمنيّاً على الالتزام بجميع ما كان بينهم من الآداب و السنن و الالتزامات و منها الالتزام بمعاني الألفاظ و أوضاعها.
و يرد عليه: أنّ الوجدان حاكم على أنّ جملة «وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى» ليس بمعنى «تعهّدت إنّي كلّما ذكرت هذا اللفظ أردت منه هذا المعنى» بل هو من قبيل جعل علامة للمعنى كما يشهد به كلمة «الوضع» فإنّه بمعنى الجعل و النصب.
القول الرابع: ما أفاده جمع من المحقّقين و هو أنّ حقيقة الوضع أمر اعتباري و هو جعل اللفظ علامة للمعنى في عالم الاعتبار.
توضيحه: إنّه تارةً يوضع شيء علامة لشيء آخر في عالم الخارج كوضع علامات الفراسخ في الطرق، و العمامة السوداء مثلًا لكون الشخص هاشميّاً، و قد يوسم بعض الحيوانات و يجعل له علامة كي يعرفه صاحبه، و اخرى يجعل شيء علامة لشيء آخر في عالم الاعتبار وفقاً للعلامات الخارجيّة، و من هذا القسم جميع المفاهيم الإنشائيّة التي تكون اموراً اعتباريّة مشابهة لمصاديقها الخارجيّة من بعض الجهات، فإنّ ملكيّة الإنسان و سلطنته على ماله عند العقلاء في عالم الاعتبار مثلًا أمر ذهني يشبه ملكيته و سلطنته على نفسه تكويناً، و الزوجيّة بين الزوج و الزوجة تجعل في عالم الاعتبار وفقاً للزوجيّة التكوينيّة بين الأشياء الخارجيّة، و كذلك الألفاظ بالنسبة إلى معانيها في ما نحن فيه، فإنّ حقيقة الوضع جعل اللفظ علامة للمعنى في عالم الاعتبار وفقاً للعلامات التي توضع على الأشياء الخارجيّة.
أقول: و هذا أحسن ما يمكن أن يقال في المقام، إلّا أنّه يتصوّر في خصوص الوضع التعييني، أمّا في التعيّني فلا، لعدم جعل و لا إنشاء فيه.
فظهر ممّا ذكرنا أنّ علينا اختيار قول خامس يشمل و يعمّ كلا نوعي الوضع، و هو أن يلتزم بالتفكيك بين النوعين في حقيقتهما و يقال: إنّ الوضع التعييني حقيقته جعل اللفظ علامة للمعنى كما مرّ في القول الرابع، و امّا التعيّني فحقيقته هو الانس الذي يحصل من كثرة استعمال اللفظ التي توجب تبادر المعنى إلى الذهن من سماع اللفظ كما مرّ في القول الثاني، فلا بدّ من الجمع بين تعريفين من التعاريف السابقة كيما يكون التعريف تامّاً و جامعاً لجميع أنواع الوضع.