أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٧١ - الفصل الرابع عشر إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز أو لا؟
شيء و رواية اخرى على جواز تركه كان مقتضى الجمع العرفي بينهما رفع اليد من ظهور الأولى في الوجوب و حملها على الاستحباب، فليكن المقام أيضاً من هذا القبيل، فيحمل دليل المنسوخ على الاستحباب.
و لكنّه قياس مع الفارق، حيث إنّ الكلام هناك أنّ الدليل الدالّ على جواز الترك يكون قرينة عرفيّة على كون المراد من الدليل الأوّل من أوّل الأمر هو الاستحباب مع أنّ المدّعى في المقام كون الحكم من أوّل الأمر إلى زمان ورود دليل الناسخ هو الوجوب لا غير.
الأمر الثاني: قال بعض الأعلام في المحاضرات: «إنّ دعوى بقاء الجنس بعد ارتفاع الفصل لو تمّت فإنّما تتمّ في المركّبات الحقيقيّة كالانسان و الحيوان و ما شاكلهما، و أمّا في البسائط الخارجيّة فلا تتمّ أصلًا و لا سيّما في الأحكام الشرعيّة التي هي امور اعتباريّة محضة و تكون من أبسط البسائط، ضرورة أنّ حقيقتها ليست إلّا اعتبار الشارع ثبوت الفعل على ذمّة المكلّف أو محروميته عنه، و من هنا قلنا أنّ الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة جميعاً منتزعة من اعتبار الشارع بحكم العقل و ليس شيء منها مجعولًا شرعياً، فالمجعول إنّما هو نفس ذلك الاعتبار، غاية الأمر أنّ نصب الشارع قرينة على الترخيص في الترك فينتزع العقل منه الاستحباب و إن لم ينصب قرينة عليه فينتزع منه الوجوب، و على ضوء هذا فلا يعقل القول بأنّ المرفوع بدليل الناسخ إنّما هو فصل الوجوب دون جنسه ضرورة أنّ الوجوب ليس مجعولًا شرعياً ليكون هو المرفوع بتمام ذاته أو بفصله» [١].
أقول: في كلامه (رحمه الله) مواقع للنظر:
أوّلًا: فلأنّ ما ذكره بالإضافة إلى حقيقة الأحكام الشرعيّة من «أنّ حقيقتها ليست إلّا اعتبار الشارع ثبوت الفعل على ذمّة المكلّف أو محروميته عنه» يستلزم عدم الفرق بين الأحكام التكليفية و الوضعية مثل الديون، حيث إنّه لا إشكال في أنّ مثل هذا الحكم الوضعي جعل في الذمّة، فلو كان الحكم التكليفي أيضاً جعلًا للفعل مثلًا على الذمّة فما هو الفرق بين النوعين من الحكم؟
و إن شئت قلت: المتبادر من هيئة «افعل» في قوله «صلّ» مثلًا و من هيئة «لا تفعل» في
[١] المحاضرات: ج ٤، ص ٢٣.