أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٤٤ - الكلام في الترتّب
بالأهمّ في بعض الموارد لا يستلزم رفع اليد عنه في سائر الموارد، فإنّا نجد بوجداننا في كثير من الموارد أنّ المولى يأمر بالمهمّ مولويّاً مع بقاء أمره بالأهمّ على قوّته بتصريحه بذلك، فيقول مثلًا:
«اطعم الفقير بهذا الطعام» و يؤكّد على ذلك بمرّات فإذا شاهد عصيان العبد يقول: «الآن أيضاً.
أقول: اطعم الفقير بهذا الطعام و إن كنت لا تطعمه فكله بنفسك و لا تسرف» أو يأمر الوالد ولده و يقول: «صلّ جماعة ثمّ يقول: صلّ جماعة و إن لم تصلّ جماعة فصلّ فرادى» إلى غير ذلك من الأوامر المتداولة بين الموالي و العبيد أو بين الوالد و ولده أو بين الأمير و عسكره أو بين الرؤساء و المرئوسين.
نعم هذا كلّه بالنسبة إلى مقام الثبوت (أي بالنسبة إلى عدم المضادّة بين الأمر بالأهمّ و المهمّ في مقام الواقع).
أمّا مقام الإثبات فيمكن أن يقال: إنّ كلّ واحد من الخطابين اللّذين تعلّقا بالأهمّ و المهمّ مطلق، و لا دليل على تقييد الأمر بالمهمّ بعصيان الأهمّ.
و لكن إذا كان إطلاق كلا الخطابين مستلزماً لطلب المحال في مقام الامتثال و لم يكن إشكال في مقام الثبوت في الأمر الترتّبي بحكم العقل يلزم تقييد أحد الخطابين بمقدار يوجب ارتفاع الاستحالة فحسب، فإنّ الضرورات تتقدّر بقدرها، و حينئذٍ نقول: لا معنى لتقييد الأهمّ بترك المهمّ لمكان أهمّيته فيتعيّن تقييد المهمّ بعصيان الأهمّ و هو المطلوب.
ثمّ إنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) قد فصّل الكلام و أطاله بشرح و بسط، و ذكر مقدّمات خمس، و هي كما يلي:
المقدمة الاولى: في بيان أمرين:
أحدهما: أنّ الفعلين المتضادّين إذا كان التكليف بكلّ منهما أو بخصوص أحدهما مشروطاً بعدم الإتيان بمتعلّق الآخر فلا محالة يكون التكليفان المتعلّقان بهما طوليين لا عرضيين، و بعبارة واضحة: لا يلزم من الطلبين كذلك طلب الجمع بين الضدّين.
ثانيهما: أنّه في فرض عدم قدرة المكلّف على امتثال التكليفين الموجب لوقوع التزاحم بينهما و إن كان لا بدّ من رفع اليد عمّا به يرتفع التزاحم لاستحالة التكليف بغير المقدور عقلًا إلّا أنّه لا مناصّ حينئذٍ من الاقتصار على ما يرتفع به التزاحم المزبور: و أمّا الزائد عليه فيستحيل سقوطه فإنّه بلا موجب.